وفيه فصلان:
الفصل الأول: جهوده الدعوية.
الفصل الثاني: دوره العلامة الألباني في صد الدعوة إلى فكر التكفير المنحرف.
الفصل الأول: جهوده الدعوية
انطلاقته في الدعوة في سوريا:
كان شيخنا الألباني رحمه الله يقول([1]): «ولقد كنت أذهب مع بعضهم، ـ وأنا صغير لم أتفقه بالسنة بعد ـ إلى قبر الشيخ ابن عربي لأصلي معه عنده! فلما أن علمت حرمة ذلك باحثت الشيخ المشار إليه كثيرًا في ذلك حتى هداه الله تعالى، وامتنع من الصلاة هناك، وكان يعترف بذلك لي، ويشكرني على أنْ كنتُ سببًا لهدايته، رحمه الله تعالى وغفر له.
والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله».
ولقد كان لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الأثر الكبير في توجيه شيخنا الألباني علمًا وعملًا، فتوجه الشيخ نحو المنهج الصحيح وهو التلقي عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مستعينًا بفهم الأئمة الأعلام من السلف الصالح، دون تعصب لأحد منهم أو عليه، وإنما كان الحق رائده حيث كان. ولذلك بدأ يخالف مذهبه الحنفي الذي نشأ عليه إذا ظهر له الدليل على خلافه.
وكان والده رحمه الله يعارضه معارضة شديدة فبين له الشيخ أنه لا يجوز لمسلم أن يترك العمل بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن ثبت عنه، ـ وإن عمل به بعض الأئمة ـ لقول أحد من الناس كائنًا من كان، ويذكر له أن هذا هو منهج أبي حنيفة، وغيره من الأئمة الكرام رحمهم الله، وهكذا بدأت المناقشات بين الشيخ الألباني وغيره من أهل العلم.
ولقي شيخنا المعارضة الشديدة من كثير من المشايخ المتمذهبين المتعصبين، ومشايخ الصوفية، والخرافيين المبتدعين، وخاصة من بني قومه، الذين كانوا يثيرون عليه الغوغاء من العامة، ويشيعون عنه أنه: (وهابي ضال)، ويحذرون منه الناس في الوقت الذي وافقه على دعوته بعض أفاضل العلماء المعروفين في دمشق، وشجعوه على الاستمرار قدمًا، منهم: العلامة الشيخ محمد بهجة البيطار، والشيخ عبد الفتاح الإمام رئيس جمعية الشبان المسلمين، والشيخ توفيق البزرة رحمهم الله، وغيرهم من أهل العلم والفضل من دعاة منهج السلف فجزاهم الله خيرًا.
وكـان شيخنا يحضر ندوات العلامة الشيخ محمد بهجت البيطار رحمه الله مع بعض أساتذة المجمع العلمي بدمشق، منهم الأستاذ عز الدين التنوخي رحمه الله، إذ كانوا يقرؤون «الحماسة» لأبي تمام.
عنايته بتحقيق التوحيد والتحذير من الشرك:
لم يكن الشيخ الألباني ليبالي بكلام الناس ومعارضة المعارضين طالما أنه متبع للدليل، وإنما كان يزيده ذلك إصرارًا على التمسك بهذا المنهج الحق، ويوطن نفسه على الصبر وتحمل الأذى عملًا بوصية لقمان لابنه فيما حكاها ربنا تعالى عنه في كتابه: {يا بُنَيَّ لا تُشْرِك بالله إنَّ الشِّركَ لظلمٌ عظيم}، الآيات إلى قوله تعالى ـ حكاية عن لقمان ـ: {يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وأمر بِالمعروفِ وانهَ عنِ المنكرِ واصبرْ على ما أصابكَ إنَّ ذلك مِنْ عزمِ الأمور} [لقمان:13ـ17].
وحقًا يصدق عليه ما قاله الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق فيه: «إنه كالمطر لا يبالي على أي أرض سقط».
وقد حمل شيخنا راية التوحيد والسنة، وزار الكثير من مشايخ دمشق، وجرت بينه وبينهم مناقشات حول مسائل التوحيد والتعصب المذهبي والبدع، بصحبة الشيخ عبد الفتاح الإمام رحمه الله.
ولما كان الأصل الأوَّل الذي دعا إليه نبيّ الإسلام هو توحيد الله عز وجلَّ، فقد كان للشيخ الألباني رحمه الله جهود عظيمة مباركة في الدعوة إلى العقيدة الصحيحة، والرَّد على ما يخالفها، تأليفًا وتدريسًا، دعوةً ومناظرةً.
ولقد درَّس الشيخ كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، كما أبان فيما علَّق به على الطحاوية([2]) عن أنواع الشرك بالله تعالى فقال: «إن نفي الشريك عن الله تعالى لا يتم إلا بنفي ثلاثة أنواع من الشرك:
الأول: الشرك في الربوبية، وذلك بأن يعتقد أن مع الله خالقًا آخر سبحانه وتعالى كما هو اعتقاد المجوس القائلين بأنَّ للشرّ خالقًا غير الله سبحانه. وهذا النوع في هذه الأمة قليل والحمد لله، وإن كان قريبًا منه قول المعتزلة: إنَّ الشرَّ إنما هو من خلق الإنسان، وإلى ذلك الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: «القدرية مجوس هذه الأمة…» الحديث، وهو مخرج في مصادر عدة عندي أشرت إليها في «صحيح الجامع الصغير وزيادته» رقم (4442).
الثاني: الشرك في الألوهية أو العبودية، وهو أن يعبد مع الله غيره من الأنبياء والصالحين، كالاستغاثة بهم، وندائهم عند الشدائد ونحو ذلك. وهذا مع الأسف في هذه الأمة كثير، ويحمل وزره الأكبر أولئك المشايخ الذين يؤيدون هذا النوع من الشرك باسم التَّوسل «يسمونها بغير اسمها» !.
الثالث: الشرك في الصفات، وذلك بأنْ يصف بعض خلقه تعالى ببعض الصفات الخاصَّة به عزَّ وجلَّ، كعلم الغيب مثلًا، وهذا النوع منتشرٌ في كثيرٍ من الصوفيَّة، ومن تأثَّر بهم، مثل قول بعضهم في مدح النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم !
ومن هنا جاء ضلال بعض الدجالين يزعمون أنهم يرون الرسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم يقظةً، ويسألونه عما خفي عليهم من بواطن نفوس من يخالطونهم، ويريدون تأميرهم في بعض شؤونهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان ليعلم مثل ذلك في حال حياته، {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ}[الأعراف:188]، فكيف يعلم ذلك بعد وفاته وانتقاله إلى الرفيق الأعلى؟!
هذه الأنواع الثلاثة من الشرك من نفاها عن الله في توحيده إياه، فَوَحَّده في ذاته، وفي عبادته، وفي صفاته، فهو الموحِّد الذي تشمله كلّ الفضائل الخاصة بالموحِّدين.
ومن أخلَّ بشيء منه، فهو الذي يتوجه إليه مثل قوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}[الزمر:65].
فاحفظ هذا فإنه أهم شيء في العقيدة، فلا جرم أنَّ المصنف رحمه الله بدأ به، ومن شاء التفصيل فعليه بشرح هذا الكتاب، وكتب شيوخ الإسلام؛ ابن تيمية، وابن القيم، وابن عبد الوهاب، وغيرهم ممن حذا حذوهم، واتبع سبيلهم: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ}[الحشر:10].
كما ردَّ الألباني التَّوسل المبتدع في الدعاء، وأبان التَّوسل المشروع في رسالته الماتعة: «التَوَسُّل أَنوَاعُهُ وأَحكَامُهُ».
من أثار دعوته السلفية اهتداء الشيخ عبد الرحمن الباني رحمه الله، إذ نقل الإمام الألباني تلميذه الشيخ عبد الرحمن الباني من اتباع أحمد كفتارو والصوفية، إلى السلفية النقية حيث يقول الشيخ عبد الرحمن الباني رحمه الله: «وجدتُّ عند الشيخ الألباني ما لم أجده عند علماء مصر، خاصة في السنّة وتحقيقها، والاهتمام بالتصفية والاقتصار على الصحيح، وحفظ الوقت، وما أعرف في المعاصرين أشد حفاظًا على وقته منه، ولما وجدته على هذا العلم الغزير بالسنة والعقيدة رجوتُه أن يعمل عندي درسًا في بيتي، فاستجاب لي في حدود سنة 1371ـ1373 (1952ـ1954)، وأول ما درّسناه لمعة الاعتقاد، ولكن أهم من ذلك كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب، فكنا نقرأ في الكتاب، ويحل لنا كلام المؤلف، لا سيما فهم وجه استنباط المسائل، وله فضل كبير علينا. وصرنا نلتقي مع الإخوة على حفظ القرآن ودراسته، ومنهم الأستاذ محيي الدين القُضْماني. فبقيت أدرس على الشيخين أحمد كفتارو والألباني معًا، وكان درس كفتارو في جامع أبي النُّور بعد العصر، ودرس الألباني بعد المغرب في بيتي قرب جامع الشَّمْسِيَّة، فإذا فرغت من الدرس الأول أركض ركضًا لأدرك ضيوفي عند بيتي! فلم تكن هناك مواصلات، وأحيانًا أجدهم واقفين عند الباب ينتظرونني فأعتذر لهم، وكان الألباني لا يتكلم أمامي بشيء على كفتارو والتصوف، ويكتفي بالتدريس، وبعد مدة وجدت بطريقته المنهجية الحكيمة المقنعة أن الإسلام الصافي النقي شيء، وأن التصوف شيء آخر، وأثّر فيّ أيضًا رؤية الفارق من تعفف الشيخ الألباني الذي قلّ نظيره، وبين مد غيره للتقبيل و(كبس اليد) بالنقود! وتعريضه قائلًا: إذا ذهب أحد للطبيب ألا يدفع له؟ ومما أثّر فيّ أيضًا وصدّني عن التصوف تركيز الشيخ الصوفي على إلغاء عقل المريد، وترسيخ فكرة أن الشيخ محفوظ ـ لا يقولون معصوم، لكن هذا الواقع ـ حتى لو جاء بما يخالف الشرع في ظاهره، فعلى المريد أن يتبعه»([3]).
وقال أيضا: فضائل الألباني عليّ أوجزها في ثلاث: «نقلني من الصوفية إلى الاتجاه الصحيح السلفي، وأفادني العلم بالسنّة على قدر إمكانياتي، واستفدت من خلقه وسيرته نموذجًا مثاليًا، فما كان يمد يده لأحد، ويستغل وقته، كنتُ أزوره في جامع الجُرْزة قرب القَصّاع في محل الساعات المتواضع له، عنده (عدّة) العمل، وخلفه رفوف فيها كتب، فإذا فرغ من عمله اشتغل وقرأ في كتبه».
الألباني ودعوة الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله:
إن الشيخ الألباني شديد التأثر بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكان يدرس في دمشق قبل نصف قرن «كتاب التوحيد» للشيخ محمد بن عبد الوهاب وشرحه «فتح المجيد» لحفيد الشيخ رحمهما الله.
ويرى الشيخ الألباني الإمام محمد بن عبد الوهاب مجددًا لدعوة التوحيد في الجزيرة إذ قال رحمه الله في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» رقم (2246) في معرض كلامه عن حديث: «اللهم بارك لنا في مكتنا، اللهم بارك لنا في مدينتنا، اللهم بارك لنا في شامنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا». فقال رجل: يا رسول الله وفي عراقنا. فأعرض عنه، فرددها ثلاثًا، كل ذلك يقول الرجل: وفي عراقنا فيعرض عنه. فقال: «بها الزلازل والفتن، وفيها يطلع قرن الشيطان»:
«وإنما أفضت في تخريج هذا الحديث الصحيح، وذكرت طرقه وبعض ألفاظه لأن بعض المبتدعة المحاربين للسنة والمنحرفين عن التوحيد يطعنون في الإمام محمد بن عبد الوهاب مجدد دعوة التوحيد في الجزيرة العربية، ويحملون الحديث عليه باعتباره من بلاد نجد المعروفة اليوم بهذا الاسم، وجهلوا أو تجاهلوا أنها ليست هي المقصودة بهذا الحديث، وإنما هي العراق، كما دل عليه أكثر طرق الحديث وبذلك قال العلماء قديمًا كالإمام الخطابي وابن حجر العسقلاني وغيرهم وجهلوا أيضًا أنَّ كون الرجل من بعض البلاد المذمومة لا يستلزم أنه هو مذمومٌ أيضًا إذا كان صالحًا في نفسه، والعكس بالعكس. فكم في مكة والمدينة والشَّام من فاسقٍ وفاجرٍ، وفي العراق من عالمٍ وصالحٍ. وما أحكم قول سلمان الفارسي لأبي الدرداء حينما دعاه أن يهاجر من العراق إلى الشام: أما بعد، فإنَّ الأرض المقدَّسة لا تقدس أحدًا، وإنما يقدِّس الإنسان عمله»([4]).
ومن جهوده في الدعوة:
أسفاره إلى مصر والسودان والكويت والمغرب وقطر والإمارات العربية المتحدة، وعددًا من دول أوربا كألمانيا، وإسبانيا وبريطانيا.
وانتدابه من سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء، للدعوة إلى التوحيد، والاعتصام بالكتاب والسنة، والمنهج الإسلامي الحق في مصر، والمغرب، وبريطانيا، وزار والتقى فيها بالجاليات الإسلامية، والطلبة المسلمين وألقى دروسًا علمية مفيدة.
وكان شيخنا في أسفاره يتردد على المكتبات لينظر في المخطوطات كما كان شأنه في المدينة ومصر، ويقول الشيخ بهذا الخصوص حول زيارته لمصر: «وفي مدة إقامتي في القاهرة كنت أتردد ـ كلما سنحت لي الفرصة ـ إلى دار الكتب المصرية لدراسة مخطوطات كتب الحديث فيها، وكذلك فعلت حين سافرت منها إلى الاسكندرية، فكنت أتردد إلى مكتبتها المعروفة بالمكتبة البلدية، وقد استفدت من المكتبتين فوائد هامة جمة، ونسخت بيدي من المكتبة الثانية رسالة للحافظ ابن حجر العسقلاني يحقق القول فيها في الأحاديث التي استخرجها الحافظ القزويني من كتاب «مصابيح السنة» وحكم عليها بالوضع»([5]).
دروس الشيخ وحلقاته العلمية([6]):
كانت مجالس شيخنا رحمه الله عامرة بالعلم والفوائد، غزيرة النفع في سائر العلوم، ولقد قُرئ على الشيخ كتب كثيرة في دمشق، إذ كان يعقد درسين كل أسبوع يحضرهما طلبة العلم، ومن تلك الدروس:
دروس في التفسير مع بعض علماء الشام([7]).
ـ «زاد المعاد»، لابن قيم الجوزية رحمه الله.
ـ «نخبة الفكر»، للحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله.
ـ «الروضة الندية شرح الدرر البهية»، لصديق حسن خان رحمه الله.
ـ «فتح المجيد شرح كتاب التوحيد»، للشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله.
ـ «الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث»، للعلامة المحدث أحمد شاكر رحمه الله.
ـ «طبقات فحول الشعراء»، لابن سلام الجمحي رحمه الله([8]).
ـ «أصول الفقه»، لعبد الوهاب خلاف رحمه الله.
ـ «تطهير الاعتقاد من أدران الإلحاد»، للصنعاني رحمه الله.
ـ «الترغيب والترهيب»، للمنذري رحمه الله.
ـ «الأدب المفرد»، للإمام البخاري رحمه الله.
ـ «منهج الإسلام في الحكم»، لمحمد أسد.
ـ «مصطلح التاريخ»، لأسد رستم.
ـ «فقه السنة»، لسيد سابق رحمه الله.
ـ «رياض الصالحين»، للإمام النووي رحمه الله.
ـ «الإلمام في أحاديث الأحكام»، لابن دقيق العيد رحمه الله.
ولكنه لم يتم الكتابين الأخيرين بسبب سعي بعض مشايخ الطرقية إلى الحكام، مما أدى إلى سجنه نحو ستة أشهر في سجن القلعة بدمشق، وهو السجن الذي سجن فيه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وكان قد سجن قبل ذلك عام 1967م لمدة شهر واحد.
ولقد حضر هذه الدروس عدد كبير من أهل العلم والأساتذة والمثقفين والطلاب، وكان لها أثرها الكبير في الدعوة إلى الله عز وجل ولقد كانت بداية هذه الدروس قبل عام 1945 ميلادية.
ولقد كان للشيخ رحلات شهرية منظمة بدأت أسبوعيًا من كل شهر، ثم استقرت على نحو ثلاثة أيام، كان الشيخ يقوم بها إلى المحافظات السورية: حلب، وإدلب، واللاذقية، والسلمية، ثم حمص، ثم حماة، ثم الرقة.
ولقد كانت لتلك الجهود والرحلات ثمراتها الطيبة في الدعوة إلى الله عز وجل وإلى التوحيد ونبذ الشرك والخرافة مع ما صاحبها من المعارضة من أهل الأهواء، لكن ذلك لم يثن الشيخ عن عزمه، ودعوته لمعرفته أنه على الحق.
وكان الشيخ الألباني رحمه الله آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر، وهذه قصة يحكيها فضيلة الشيخ علي خشّان رحمه الله: «واللهِ ما أبصرت عيناي فيما أعلم أحدًا أحرص على السنة، وأشدّ انتصارًا لها، وأتبع لها من الألباني.
لقد انقلبت به السيارة ما بين جدّة والمدينة المنوّرة وهرع الناس وهم يقولون: يا ستّار، يا ستّار، فيقول لهم ناصر الحديث وهو تحت السيارة المنقلبة: «قولوا يا سِتِّير، ولا تقولوا يا ستّار، فليس من أسمائه تعالى الستّار»، وفي الحديث: «إن الله حيي ستّير يحب الستر» أرأيتم من ينصر السنة والحديث في مثل هذا الموطن في عصرنا هذا. ؟ اللهم لا إلا ما سمعنا عن عمر بن الخطّاب، وأحمد بن حنبل، وغيرهما، من سلف هذه الأمة» ([9]).
مجمل دعوة الشيخ الألباني رحمه الله:
إن الحديث عن دعوة الشيخ رحمه الله وجهوده المباركة بالدعوة والجهاد طويلٌ للغاية، وأجمل ذلك فيما يلي:
ـ دعوته إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة الصحيحة، ونبذ التعصب المذهبي، والتعصب لآراء الرجال.
ـ الدعوة إلى فهم الكتاب والسنة، كما فهم ذلك سلفنا الصالح رضي الله عنهم، إذ لا سبيل لنجاة الأمة إلا بذلك.
ـ الدعوة إلى توحيد الله عز وجل، وبيان عقيدة السلف في أسماء الله وصفاته وغيرها من أبواب الاعتقاد.
ـ الدعوة إلى تجريد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، إذ في هذا تحقيق معنى شهادة أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ـ التحذير من الشرك على اختلاف مظاهره وأشكاله.
ـ التحذير من الفرق الضالة، كالقاديانية والرافضة ومنكري حجية الحديث النبوي.
ـ التحذير من البدع والمنكرات، والعادات والتقاليد الأجنبية الدخيلة على المسلمين.
ـ التحذير من البدع عمومًا التي حذرنا منها الشارع الحكيم.
ـ خدمة التراث السلفي في تحقيقاته لكتب العقيدة والحديث النبوي، وإحياؤه هذا الجانب.
ـ تقريبه للسنة بين يدي الأمة في الصحيح ليعمل به، والضعيف والموضوع ليجتنب، وإحياؤه الحرص على التثبت في ذلك.
ـ إحياؤه لعدد من السنن المهجورة، في كثير من الأمصار من خلال كتاباته واجتماعاته.
ـ وقوفه بقوة أمام أصحاب الفكر التكفيري المنحرف المعاصر، وكونه سدًا منيعًا للشباب أمام هذا الفكر الغالي.
ـ دعوته في بيان مكانة الحديث في الإسلام وأنه لا يستغنى عنه بالقرآن.
ـ دعوته إلى عموم حجية الحديث النبوي في العقائد والأحكام على السواء.
ـ دعوته للتصفية ـ أي: تصفية الإسلام مما علق به مما ليس منه ـ والتربية على ذلك المنهج المصفى.
ـ تحذيره من العصبيات للجماعات، والتحزب على ضوئها والولاء والبراء فيها.
الفصل الثاني
دوره العلامة الألباني في صد الدعوة إلى فكر التكفير المنحرف
لست مبالغًا إن قلت إن أعظم ما قام به الشيخ من جهود بعد نشره للتوحيد وإحيائه للسنة النبوية، هو الوقوف أمام فكر التكفير العصري، الذي فاق فكر الخوارج في هذه البلية. ولقد كانت بداية هذا الفكر المنحرف زحفًا إلى الأردن من مصر بعد ظهور شكري مصطفى قبل قرابة ربع قرن.
ولقد وقف شيخنا بتأييد الله وتوفيقه آنذاك وقفة عظيمة يشكر عليها ونسأل الله له الأجر العظيم في تصديه لهذا الفكر وقدرته على اندثاره في الأردن آنذاك. وما كان ذلك لولا ما مَنَّ به الله عز وجل على شيخنا من العلم الغزير، وسعة الصدر، وقوة البيان، مع هؤلاء الناشئة مع طول نفسه في النقاش بالحجة والبرهان، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. كما كانت بعض الجلسات مع هؤلاء تدوم إلى الفجر أثناء البرد الشديد ولقد سُجِّلَت كثير من هذه الجلسات ونفع الله بها كثيرًا من طلبة العلم. ولقد كتب أخونا الشيخ إبراهيم الهاشمي كتابا بعنوان: «من جهود العلاّمة الألباني في نصح جماعة التكفير».
الألباني ومسألة تكفير الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله
لقد أفتى شيخنا في مسألة تكفير الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله موضحًا التفصيل في هذه المسألة، وانتشرت فتواه في كثير من الصحف والمجلات والرسائل وهذا نص كلامه رحمه الله تعالى: «إنَّ الحمدَ للهِ، نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا، ومن سيئاتِ أَعمالِنا، من يهدهِ اللهُ فلا مضلَََََََّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعدُ:
فإن مسألة التكفيرِ عمومًا ـ لا للحكام فقط، بل وللمحكومين أيضاً ـ هي فتنة عظيمة قديمة، تبنتها فرقةٌ من الفرقِ الإسلامية القديمة، وهي المعروفةُ بـ«الخوارج».
ومع الأسف الشديد فإن (البعض) ـ من الدعاةِ أو المتحمسين ـ قد يقع في الخروج عن الكتاب والسنة! ولكن: باسم الكتاب والسنة !! والسبب في هذا يعود إلى أمرين اثنين:
أحدهما هو: ضحالة العلم.
والأمر الآخر ـ وهو مهم جداً ـ: أنهم لم يتفقهوا بالقواعد الشرعية، والتي هي أساسُ الدعوةِ الإسلامية الصحيحةِ التي يُعد كلُ من خرج عنها من تلك الفرق المنحرفة عن الجماعة ـ التي أثنى عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غير ما حديث؛ بل والتي ذكرها ربنا عز وجل، بيِّن أن من خرج عنها يكون قد شاقَّ الله ورسوله، وذلك في قوله عز وجل:﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾[النساء:115].
فإن الله ـ لأمر واضحٍ عند أهل العلم ـ لم يقتصر على قوله: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى … نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى). وإنما أضاف إلى مشاقة الرسول اتباع غير سبيل المؤمنين، فقال:﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾[النساء:115].
فاتِّباعُ سبيل المؤمنين أو عدمُ اتباع سبيلهم أمر هام جداً إيجاباً وسلباً، فمن اتبع سبيل المؤمنين فهو النّاجي عند رب العالمين، ومن خالف سبيل المؤمنين فحسبه جهنم وبئس المصير.
من هنا ضلت طوائفُ كثيرةٌ جداً ـ قديماً وحديثاً ـ، لأنهم لم يكتفوا بعدم التزام سبيل المؤمنين حسب، ولكن: ركبوا عقولهم، واتبعوا أهواءهم في تفسير الكتاب والسنة، ثم بنوا على ذلك نتائج خطيرةً جداً، خروج بها عما كان عليه سلفنا الصالح ـ رضوانُ الله تعالى عليهم جميعًا ـ.
وهذه الفقرة من الآية الكريمة ـ ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ـ أكدها عليه الصلاة والسلام تأكيداً بالغاً في غير ما حديثٍ نبويٍ صحيح.
وهذه الأحاديثُ ـ التي سأوردُ بعضًا منها ـ ليست مجهولة عند عامة المسلمين ـ فضلاً عن خاصتهم ـ لكن المجهول فيها هو أنها تدل على ضرورة التزام سبيل المؤمنين في فهم الكتاب والسنة، ووجوب ذلك، وتأكيده.
وهذه النقطةُ يسهو عنها ـ ويغفلُ عن ضرورتها ولزومها ـ كثيرٌ من الخاصةِ، فضلاً عن غيرهم ممن عُرفوا حديثًا بـ «جماعة التكفير» ! أو بعض أنواع الجماعات التي تنسبُ نفسها للجهاد، وهي في حقيقتها من فلول التكفير فهؤلاء ـ وأولئك ـ قد يكونون في دواخل أنفسهم صالحين ومخلصين ولكن هذا وحده غير كاف ليكون صاحبه عند الله عز وجل من الناجين المفلحين إذ لابد للمسلم أن يجمع بين أمرين اثنين:
صدق الإخلاصِ في النية لله عز وجل.
وحسن الاتباع لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
فلا يكفي ـ إذًا ـ أن يكون المسلمُ مخلصًا وجادًا فيما هو في صدده من العمل بالكتاب والسنة والدعوة إليهما بل لا بد ـ بالإضافة إلى ذلك ـ من أن يكون منهجه منهجًا سويًا سليمًا، وصحيحًا مستقيمًا؛ ولا يتم ذلك على وجهه إلا باتباع ما كان عليه سلف الأمة الصالحون رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
فمن الأحاديث المعروفة الثابتة التي تؤصل ما ذكرت ـ وقد أشرت إليها آنفا ـ حديث الفرقِ الثلاثِ والسبعين، ألا وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «افترقتِ اليهودُ على إحدى وسبعينَ فرقة، وافترقتِ النصارى على اثنتينِ وسبعينَ فرقة، وستفترقُ أمتي على ثلاثٍ وسبعينَ فرقة كلُّها في النارِ إِلا واحدة»، قالوا: من هي يا رسولَ اللهِ؟ قال: «الجماعة»، وفي روايةٍ: «ما أَنا عليه وأَصحابي».
فنجدُ أن جواب النبي صلى الله عليه وسلم يلتقي تمامًا مع الآية السابقة ـ ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ـ فأولُ ما يدخلُ في عموم الآية هم أصحابُ الرسولِ صلى الله عليه وسلم؛ إذ لم يكتف الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بقوله: «ما أَنا عليه…» ـ مع أنَّ ذلك قد يكون كافيًا في الواقع للمسلم الذي يفهمُ حقًا الكتاب والسنة ـ ولكنه عليه الصلاة والسلام يطبق تطبيقًا عمليًا قوله سبحانه وتعالى في حقه صلى الله عليه وسلم أنه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾[التوبة:128].
فمن تمام رأفته وكمال رحمته بأصحابه وأتباعه أن أوضح لهم صلوات الله وسلامه عليه أن علامة الفرقة الناجية: أن يكون أبناؤُها وأصحابها على ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام، وعلى ما كان عليه أصحابه من بعده.
وعليه فلا يجوز أن يقتصر المسلمون عامة ـ والدعاة خاصة ـ في فهم الكتاب والسنة على الوسائل المعروفة للفهم، كمعرفة اللغة العربية، والناسخ والمنسوخ، … وغير ذلك، بل لا بد من أن يرجع قبل ذلك كله إلى ما كان عليه أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم ـ كما تبين من آثارهم ومن سيرتهم ـ كانوا أخلص لله عز وجل في العبادة، وأفقه منا في الكتاب والسنة…
إلى غير ذلك من الخصال الحميدة التي تخلقوا بها، وتأدبوا بآدابها.
ويشبه هذا الحديث تمامًا ـ من حيثُ ثمرتهُ وفائدتهُ ـ حديث الخلفاء الراشدين المرويُّ في «السنن» من حديث العرباضِ بن سارية رضي الله تعالى عنه قال: وعظنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم موعظةً وجلتْ منها القلوبُ، وذرفتْ منها العيونُ، فقلنا: كأنها موعظةُ مودعٍ، فأوصنا يا رسولَ اللهِ قال: «أُوصيكم بالسمعِ والطاعةِ وإن وَلِيَ عليكم عبدٌ حبشيٌّ، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنّتي وسنّةِ الخلفاءِ الرَّاشدين من بعدي، عَضُّوا عليها بالنَّواجذِ… » وذكرَ الحديثَ.
والشاهدُ من هذا الحديث هو معنى جوابه على السؤال في الحديث السابق، إذ حضَّ صلى الله عليه وسلم أمته ـ في أشخاص أصحابه ـ أن يتمسكوا بسنته، ثم لم يقتصر على ذلك؛ بل قال: «وسُنّةِ الخلفاءِ الرَّاشدينَ مِنْ بعدي».
فلا بد لنا ـ والحالةُ هذهِ ـ من أن نُدندنَ دائمًا وأبدًا حول هذا الأصل الأصيل إذا أردنا أن نفهم عقيدتنا، وأن نفهم عبادتنا، وأن نفهم أخلاقنا وسلوكنا.
ولا محيد عن العودِ إلى منهج سلفنا الصالح لفهم كل هذه القضايا الضرورية للمسلم، حتى يتحقق فيه ـ صدقًا ـ أنه من الفرقة الناجية.
ومن هنا ضلت طوائف قديمةٌ وحديثةٌ؛ حين لم يتنبهوا إلى مدلول الآية السابقة، وإلى مغزى حديث سنة الخلفاء الراشدين، وكذا حديث افتراق الأمة، فكان أمرًا طبيعيًا جدًا أن ينحرفوا كما انحرف من سبقهم عن كتاب الله، وسنة رسول صلى الله عليه وسلم، ومنهج السلف الصالح.
ومن هؤلاء المنحرفين: الخوارجُ ـ قدماءَ ومُحْدَثين ـ فأن أصل فتنة التكفير في هذا الزمان ـ بل منذ أزمان ـ هو آية يدندنون دائمًا حولها ألا وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾[المائدة:44]، فيأخذونها من غير فهوم عميقة ويوردونها بلا معرفة دقيقة.
ونحنُ نعلم أن هذه الآية الكريمة قد تكررت، وجاءت خاتمتها بألفاظٍ ثلاثةٍ، وهي: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾[المائدة:45]، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾[المائدة: 47]، فمن تمام جهلِ الذين يحتجون بهذه الآية باللفظ الأول منها فقط ـ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ـ أنهم لم يُلمُّوا على الأقلِّ ببعض النصوص الشرعية ـ قُرآنًا أم سُنةً ـ التي جاء فيها ذكرُ لفظة (الكفر)، فأخذوها ـ بغير نظرٍ ـ على أنها تعني الخروج من الدين ! وأنه لا فرق بين هذا الذي وقع في الكفر، وبين أولئك المشركينَ من اليهودِ والنصارى وأصحابِ المللِ الأُخرى الخارجةِ عن ملة الإسلام !
بينما لفظةُ (الكفر) في لغة الكتابِ والسنةِ لا تعني ـ دائمًا ـ هذا الذي يدندنون حوله، ويُسلطونَ هذا الفهمَ الخاطئَ المغلوط عليه!!
فشأنُ لفظِ: {الكافرون} ـ من حيث إنه لا يدل على معنى واحد ـ هو ذاتُهُ شأنُ اللفظين الآخرين: {الظالمون} و{الفاسقون}؛ فكما أن من وُصفَ بأنّه ظالمٌ أو فاسقٌ لا يلزم بالضرورة ارتدادهُ عن دينه، فكذلك من وُصِفَ بأنَّه كافرٌ، سواء بسواءِ.
وهذا التنوعُ في معنى اللفظِ الواحد هو الذي تدل عليه اللغةُ، ثم الشرعُ الذي جاء بلغةِ العرب ـ لغة القرآن الكريم ـ.
فمن أجلِ ذلك كان الواجبُ على كل من يتصدى لإصدارِ الأحكام على المسلمين ـ سواء كانوا حُكامًا أم محكومين ـ أن يكون على علمٍ واسعٍ بالكتاب والسنة، وعلى ضوء منهجِ السلفِ الصالحِ.
والكتاب والسنة لا يمكن فهمُهما ـ وكذلك ما تفرع عنهما ـ ألا بطريق معرفة اللغة العربية وآدابها معرفةً خاصةً دقيقةً.
فإن كان لدى طالبِ العلمِ نقصٌ في معرفة اللغةِ العربيةِ: فإن مما يساعدُهُ في استدراك ذلك النقصِ الرُّجوعَ إلى فهمِ مَن قَبلَه من الأئمةِ والعلماءِ، وبخاصةٍ أهل القرون الثلاثةِ المشهودَ لهم بالخيريةِ.
ولنرجع إلى الآية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، فما المراد بالكفر فيها ؟ هل هو الخروجُ عن الملةِ ؟ أو أنَّه غيرُ ذلك ؟
فأقولُ: لا بد من الدقةِ في فهم هذه الآية؛ فإنها قد تعني الكفر العمليَّ، وهو الخروجُ بالأعمال عن بعض أحكام الإسلام.
ويُساعدنا في هذا الفهم حَبرُ الأُمةِ وترجُمانُ القرآنِ عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، الذي أجمعَ المسلمون جميعًا ـ إلا من كان من تلك الفرقِ الضالةِ! ـ على أنه إمامٌ فريدٌ في التفسيرِ.
فكأنه طرق سمعه يومئذٍ ما نسمعهُ اليوم تمامًا من أن هناك أُناسًا يفهمون هذه الآية فهمًا سطحيًا، من غير تفصيلٍ، فقال رضيَ اللهُ عنه: «ليس الكفرَ الذي تذهبونَ إليه»، و«إنه ليسَ كفرًا ينقلُ عن الملةِ»، و: «هو كفرٌ دونَ كفرٍ»، ولعله يعني بذلك الخوارج الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، ثم كان من عواقبِ ذلك أنهم سفكوا دماءَ المؤمنين، وفعلوا فيهم ما لم يفعلوا بالمشركين، فقال: ليس الأمرُ كما قالوا ! أو كما ظنوا ! وإنما هو كفرٌ دونَ كفرٍ.
هذا الجواب المختصر الواضحُ من ترجمانِ القرآنِ في تفسير هذه الآية هو الحكمُ الذي لا يمكن أن يفهم سواه من النصوص التي أشرتُ إليها قبلُ.
ثم إن كلمة (الكفر) ذكرت في كثيرٍ من النصوص القرآنية والحديثية، ولا يمكن أن تحمل ـ فيها جميعًا ـ على أنها تساوي الخروج من الملة !! من ذلك ـ مثلاً ـ الحديثُ المعروفُ في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سِبابُ المسلمِ فسوقٌ، وقتالُه كفرٌ»؛ فالكفر هنا هو المعصيةُ، التي هي الخروجُ عن الطاعة، ولكنَّ الرسولَ عليه الصلاةُ والسلامُ ـ وهو أفصحُ الناس بيانًا ـ بالغَ في الزَّجر قائلاً: «… وقتالُه كفرٌ».
ومن ناحيةٍ أخرى؛ هل يمكن لنا أن نحمل الفقرةَ الأولى من هذا الحديث ـ «سباب المسلمِ فسوقٌ» ـ على معنى الفسقِ المذكورِ في اللفظ الثالثِ ضمن الآية السابقةِ: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ؟!
والجوابُ: أن هذا قد يكونُ فسقًا مرادفًا للكفرِ الذي هو بمعنى الخروج عن الملة، وقد يكون الفسقُ مرادفًا للكفرِ الذي لا يعني الخروج عن الملة، وإنما يعني ما قاله ترجمانُ القرآنِ: إنه كفرٌ دونَ كفرٍ.
وهذا الحديثُ يؤكّد أن الكفر قد يكون بهذا المعنى؛ وذلك لأن الله عز وجل قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾[الحجرات:9]؛ إذ قد ذكر ربنا عز وجل هنا الفرقة الباغيةَ التي تقاتلُ الفرقة المحقة المؤمنة، ومع ذلك فلم يحكم على الباغية بالكفر، مع أن الحديث يقولُ: «… وقتالُه كفرٌ» !
إذًا؛ فقتاله كفرٌ دون كفرٍ، كما قال ابن عباس في تفسير الآية السابقة تمامًا.
فقتال المسلم للمسلمِ بغيٌ واعتداءٌ، وفسقٌ وكفرٌ، ولكن هذا يعني أن الكفر قد يكون كفرًا عمليًا، وقد يكون كفرًا اعتقاديًا.
من هنا جاء هذا التفصيلُ الدقيقُ الذي تولى بيانه وشرْحه الإمامُ ـ بحقٍّ ـ شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه اللهُ، وتولى ذلك من بعده تلميذُه البارُّ ابن قيم الجوزية، إذ لهما الفضلُ في التنبيه والدندنةِ على تقسيم الكفر إلى ذلك التقسيم الذي رفع رايته ترجمانُ القرآنِ بتلك الكلمة الجامعةِ الموجزةِ، فابنُ تيمية يرحمه الله وتلميذه وصاحبهُ ابن قيم الجوزية: يدندنانِ دائمًا حول ضرورةِ التفريقِ بين الكفرِ الاعتقادي والكفر العملي، وإلا وقع المسلمُ من حيثُ لا يدري في فتنة الخروج عن جماعة المسلمين التي وقع فيها الخوارج قديمًا، وبعض أذنابهم حديثًا.
وخلاصةُ القولِ: إن قوله صلى الله عليه وسلم: «… وقتالُه كفرٌ»، لا يعني ـ مطلقًا ـ الخروج عن الملة، والأحاديثُ في هذا كثيرةٌ جدًا فهي ـ جميعًا ـ حجةٌ دامغةٌ على أولئك الذين يقفون عند فهمهم القاصر للآية السابقةِ، ويلتزمون تفسيرها بالكفر الاعتقادي.
فحسبنا الآن هذا الحديث، لأنه دليلٌ قاطعٌ على أن قتال المسلم لأخيه المسلم هو كفر بمعنى الكفر العملي، وليس الكفر الاعتقاديَّ!
فإذا عدنا إلى (جماعة التكفير) ـ أو من تفرع عنهم! ـ وإطلاقهم على الحكام ـ وعلى من يعيشون تحت رايتهم، وينتظمون تحت إمرتهم وتوظيفهم ـ الكُفر والردة!! فإن ذلك منهم مبنيٌ على وجهةِ نظرهم الفاسدة؛ القائمة على أن هؤلاء ارتكبوا المعاصي فكفروا بذلك!!
ومن جملة الأمور التي يفيد ذكرها وحكايتها: أنني التقيت بعض أولئك الذين كانوا من جماعة التكفير، ثم هداهم الله عز وجل، فقلت لهم: ها أنتم كفرتم بعض الحكام فما بالكم ـ مثلًا ـ تكفرون أئمة المساجد، وخطباء المساجد، ومؤذني المساجد، وخدمة المساجد؟! وما بالكم تكفرون أساتذة العلم الشرعي في المدارس وغيرها ؟!
قالوا: لأن هؤلاء رضوا بحكم الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله !!
فأقولُ: إذا كان هذا الرِّضا رِضًا قلبيًا بالحكم بغير ما أنزل الله، فحينئذٍ ينقلب الكفر العمليُّ إلى كفرٍ اعتقاديٍّ ! فأيُّ حاكم يحكم بغير ما أنزل اللهُ وهو يرى ويعتقد أن هذا هو الحكم اللائق تبنيه في هذا العصر ! وأنه لا يليق (به) تبنيه للحكم الشرعيِّ المنصوص في الكتاب والسنة ! فلا شك أن هذا الحاكم يكون كفرُه كفرًا اعتقاديًا، وليس كفرًا عمليًا فقط !! ومن رضيَ ارتضاءَه واعتقادَه: فإنَّه يُلحقُ به !!
ثم قلت لهم: فأنتم ـ أولًا ـ لا تستطيعون أن تحكموا على كل حاكم يحكم بالقوانين الغربية الكافرة ـ أو بكثير منها ـ أنه لو سئلَ عن الحكم بغير ما أنزل اللهُ ؟! لأجابَ: بأنَّ الحكم بهذه القوانين هو الحقُ والصالحُ في هذا العصر ! وأنه لا يجوز الحكمُ بالإسلامِ!! لأنهم لو قالوا ذلك لصاروا كفارًا ـ حقًا ـ دون شكٍّ ولا ريبٍ !
فإذا انتقلنا إلى المحكومين ـ وفيهم العلماء والصالحون وغيرهم ـ فكيف تحكمون عليهم بالكفر بمجرد أنهم يعيشون تحت حكم يشملهم كما يشملكم أنتم تمامًا ! ولكنكم تعلنون أن هؤلاء كفارٌ مرتدُّون، والحكم بما أنزل الله هو الواجبُ! ثم تقولون معتذرين لأنفسكم: إن مخالفة الحكم الشرعي بمجرد العمل لا يستلزم الحكمَ على هذا العامل بأنه مرتد عن دينه؟!
وهذا عين ما يقوله غيركم، سوى أنكم تزيدون عليهم ـ بغير حق ـ الحكم بالتكفير والردة!!!
ومن جملة المسائل التي تُوضحُ خطأهم وتكشفُ ضلالهم، أن يقال لهم: متى يُحكمُ على المسلم الذي يشهدُ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ـ وقد يكون يصلي ـ بأنه ارتدَّ عن دينه؟
أيكفي مرة واحدة ؟ أم أنه يجب أن يعلن أنه مرتدٌ عن الدين؟
إنهم لن يعرفوا جوابًا ! ولن يهتدوا صوابًا !! فنضطر إلى أن نضرب لهم المثل التالي؛ فنقول: قاضٍ يحكم بالشرع؛ هكذا عادته ونظامه، لكنه في حكومة واحدة زلت به القدمُ فحكم بخلاف الشرع، أي: أعطى الحق للظالم وحرمه المظلوم، فهذا ـ قطعًا ـ حكم بغير ما أنزل الله ! فهل تقولون بأنه: كفر كفر ردةٍ ؟
سيقولون: لا؛ لأن هذا صدر منه مرة واحدة !
فنقولُ: إن صدر منه نفسُ الحكم مرةً ثانيةً، أو حكم آخر، وخالف الشرع أيضًا، فهل يكفر؟
ثم نكرر عليهم: ثلاث مرات ! عَشْرَ مرات! متى تقولون: إِنه كفر؟ لن يستطيعوا وضعَ حدٍّ بتعداد أحكامه التي خالف فيها الشرع، ثم لا يكفرونه بها! في حين يستطيعون عكس ذلك تمامًا إذا علمَ منه أنه في الحكم الأول استحسن الحكم بغير ما أنزل الله ـ مستحلاً له ـ واستقبح الحكم الشرعيَّ، فساعتئذٍ يكون الحكم عليه بالردة صحيحًا، ومن المرة الأولى!
وعلى العكس من ذلك: لو رأينا منه عشرات الحكومات في قضايا متعددةٍ خالف فيها الشرع، وإذا سألناه: لماذا حكمت بغير ما أنزل الله عز وجل؟ فرد قائلاً: خفتُ وخشيتُ على نفسي أو: ارتشيتُ مثلاً، فهذا أسوأُ من الأول بكثير، ومع ذلك فإننا لا نستطيعُ أن نقول بكفره حتى يعرب عما في قلبه: بأنه لا يرى الحكم بما أنزل الله عز وجل، فحينئذٍ فقط نستطيعُ أن نقول: إنه كافرٌ كفرَ ردةٍ.
وخلاصة الكلام: لا بُد من معرفةِ أن الكفر ـ كالفسق والظلم ـ ينقسم إلى قسمين:
ـ كفرٌ وفسقٌ وظلمٌ يخرج من الملة، وكل ذلك يعود إلى الاستحلال القلبي
ـ وآخرُ لا يخرج من الملة؛ يعود إلى الاستحلال العمليِّ.
فكل المعاصي ـ وبخاصة ما فشا في هذا الزمان، من استحلالٍ عمليٍّ للربا، والزنى، وشرب الخمر، وغيرها ـ هي من الكفر العملي، فلا يجوز أن نكفر العصاةِ المتلبسين بشيء من المعاصي لمجرد ارتكابهم لها، واستحلالهم إياها عمليًا! إلا إذا ظهر لنا منهم ـ يقينًا ـ ما يكشفُ لنا عما في قرارةِ نفوسهم أنهم لا يحرِّمون ما حرم اللهُ ورسولهُ اعتقادًا، فإذا عرفنا أنهم وقعوا في هذه المخالفة القلبية حكمنا عليهم حينئذٍ بأنهم كفروا كفر ردةٍ.
أما إذا لم نعلم ذلك، فلا سبيل لنا إلى الحكم بكفرهم، لأننا نخشى أن نقع تحت وعيدِ قوله عليه الصلاةُ والسلامُ: «إذا قالَ الرَّجلُ لأخيه: يا كافر فقد باءَ بها أَحدُهما».
والأحاديث الواردة في هذا المعنى كثيرةٌ جدًا، أذكر منها حديثًا ذا دلالةٍ كبيرةٍ، وهو في قصة ذلك الصحابي الذي قاتلَ أحد المشركينَ، فلما رأى هذا المشرك أنه صارَ تحتَ ضربةِ سيفِ المسلم الصحابيِّ قال: أشهدُ أن لا إله إلا الله فما بالاها الصحابيُّ فقتلَه فلما بلغ خبرُه النبيَّ صلى الله عليه وسلم؛ أنكر عليه ذلك أشدَّ الإنكارِ، فاعتذرَ الصحابيُّ بأن المشركَ ما قالها إلا خوفًا من القتل لكنَّ جوابهُ صلى الله عليه وسلم كانَ: «هلّا شَقَقْتَ عن قلبِه؟!».
إذًا؛ الكفرُ الاعتقاديُّ ليس له علاقةٌ أساسيةٌ بمجرد العمل، إنما علاقته الكبرى بالقلب.
ونحن لا نستطيع أن نعلم ما في قلب الفاسق والفاجر، والسارق، والزاني، والمرابي .. ومن شابههم، إلا إذا عبر عما في قلبه بلسانه، أمَّا عمله فينبئُ أنه خالفَ الشرعَ مخالفةً عمليةً، فنحن نقول: إنك خالفت! وإنك فسقت! وإنك فجرت! لكن لا نقول: إنك كفرت، وارتدت عن دينك، حتى يظهر منه شيءٌ يكون لنا عذرًا عند الله عز وجل في الحكم بردَّتهِ، ثم يأتي الحكم المعروف في الإسلام عليه؛ ألا وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «مَن بدَّلَ دينَه فاقتلوه».
ولقد قلتُ ـ وما أزال أقولُ ـ لهؤلاء الذين يدندنون حول تكفير حكام المسلمين:
هَبُوا أن هؤلاء الحكّام كفّارٌ كفر ردة ! وهبُوا ـ أيضًا ـ أن هناك حاكمًا أعلى على هؤلاء فالواجب ـ والحالة هذه ـ أن يطبق هذا الحاكم الأعلى فيهم الحدَّ.
ولكن؛ الآن: ماذا تستفيدون أنتم من الناحية العملية إذا سلمنا ـ جدلاً ـ أن هؤلاء الحكام كُفَّارٌ كفرَ ردةٍ ؟ ماذا يمكن أن تصنعوا وتفعلوا ؟
إذ قالوا: ولاءً وبراءً، فنقول: الولاءُ والبراءُ مرتبطان بالموالاة والمعاداة ـ قلبيةً وعمليةً ـ وعلى حسب الاستطاعة، فلا يُشترطُ لوجودهما إعلان التكفير وإشهار الردة.
بل إن الولاء والبراء قد يكونان في مبتدعٍ، أو عاصٍ، أو ظالمٍ!!
ثم أقول لهؤلاء: ها هُم هؤلاء الكفار قد احتلوا من بلاد الإسلام مواقع عدةً! ـ ونحن مع الأسف ابتلينا باحتلال اليهودِ لفلسطين ـ، فما الذي نستطيع نحن وأنتم فعله مع هؤلاء!!؟
حتى تقفوا أنتم ـ وحدَكم ـ ضد أولئك الحكام الذين تظنون ـ وتدعون ـ أنهم من الكفار ؟
هلا تركتم هذه الناحية جانبًا، وبدأتم بتأسيس القاعدة التي على أساسها تقومُ قائمةُ الحكومةِ المسلمةِ، وذلك باتِّباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ربى أصحابه عليها، ونشّأهم على نظامها وأساسها.
نذكرُ هذا مرارًا، ونؤكده تكرارًا: لا بد لكلِّ جماعةٍ مسلمة من العمل بحقٍّ لإعادة حُكم الإسلام، ليس فقط على أرض الإسلام، بل على الأرض كلِّها، وذلك تحقيقًا لقوله تبارك وتعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾[الصف:9]؛ وقد جاء في بعض بشائر الأحاديث النبوية أن هذه الآية ستتحقق فيما بعد.
فلكي يتمكن المسلمون من تحقيق هذا النص القرآني والوعد الإلهي فلا بد من سبيل بينٍ، وطريق واضحٍ، فهل يكون ذلك الطريقُ بإعلان ثورةٍ على هؤلاء الحكام الذين يظن (هؤلاء) أن كفرهم كفرُ ردَّةٍ ؟! ثم مع ظنهم هذا ـ وهو ظنٌ غالطٌ خاطئٌ ـ لا يستطيعون أن يعملوا شيئًا!!
إذًا؛ ما هو المنهجُ ؟ وما هو الطريقُ ؟
لا شك أن الطريق الصحيحَ الأمثلَ هو ما كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يدندنُ حولَه، ويُذكّر أصحابه به في كلِّ خُطبةٍ: «وخير الهدي هَدْيُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم».
فعلى المسلمين كافة ـ وبخاصة منهم من يهتمُّ بإعادة الحكم الإسلاميِّ ـ أن يبدؤوا من حيثُ بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهو ما نوجزه ـ نحن ـ بكلمتين خفيفتين: (التصفية والتربية)؛ ذلك لأننا نعلم حقائق ثابتةً وراسخةً يغفلُ عنها ـ أو يتغافلُ عنها ـ أولئك الغلاةُ الذين ليسَ لهم إلا إعلانُ تكفير الحكامِ ! ثم لا شيء !! وسيظلون يعلنون تكفير الحكام، ثم لا يصدرُ منهم ـ أو عنهم ـ إلا الفتنُ والمحنُ !!
والواقع في هذه السنوات الأخيرةِ على أيدي (هؤلاء) بدءًا من فتنة الحرم المكي، إلى فتنة مصر، وقتل الساداتِ، وأخيرًا في سوريَّة، ثم الآن في مصر، والجزائر، … منظور لكلِّ أحدٍ: هدرُ دماءٍ من المسلمين الأبرياء بسبب هذه الفتن والبلايا، وحصول كثير من المحن والرَّزايا.
كل هذا بسبب مخالفة (هؤلاء) لكثيرٍ من نصوص الكتاب والسنة، وأهمها قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:21].
إذا أردنا أن نقيم حكم الله في الأرض ـ حقًا لا ادعاءً ـ هل نبدأ بتكفير الحكام ونحن لا نستطيع مواجهتهم، فضلاً عن أن نقاتلهم ؟ أم نبدأُ ـ وجوبًا ـ بما بدأ به الرسول عليه الصلاةُ والسلامُ ؟
لاشك أن الجواب: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ…﴾ ؟
ولكن، بماذا بدأ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ؟
من المتيقَّن عند كل من اشتم رائحةَ العلم أنه صلى الله عليه وسلم بدأ بالدعوة بين الأفراد الذين كان يظن فيهم الاستعداد لتقبل الحق، ثم استجاب له من استجاب من أفراد الصَّحابة ـ كما هو معروف في السيرة النبوية ـ ثم وقع بعد ذلك التعذيبُ والشدةُ التي أصابت هؤلاءِ المسلمين في مكة، ثم جاء الأمرُ بالهجرة الأولى والثانية…
حتى وطَّد اللهُ عز وجل الإسلام في المدينة المنورة، وبدأت هناك المناوشات والمواجهات، وبدأ القتال بين المسلمين وبين الكفار من جهة، ثم اليهود من جهة أخرى… هكذا.
إذًا؛ لا بدَّ أن نبدأ نحن بتعليم الناسِ الإسلام الحق، كما بدأ الرسولُ عليه الصلاة والسلام، لكنْ، لا يجوز لنا (الآن) أن نقتصر على مجرد التعليم فقط، فلقد دخل في الإسلام ما ليس منه، وما لا يمت إليه بصلة، من البدع والمحدثات مما كان سببًا في تهدم الصرح الإسلامي الشامخ.
فلذلك كان الواجب على الدعاةِ أن يبدؤوا بتصفية هذا الإسلام مما دخل فيه.
هذا هو الأصلُ الأول ـ (التصفية) ـ.
وأما الأصل الثاني ـ (التربية) ـ: فهو أن يقترن مع تلك التصفية تربيةُ الشبابِ المسلم الناشئ على هذا الإسلام المصفى.
ونحنُ إذا درسنا واقع الجماعاتِ الإسلاميةِ القائمة منذ نحو قرابةِ قرنٍ من الزَّمان، وأفكارها، وممارساتها، لوجدنا الكثير منهم لم يستفيدوا ـ أو يُفيدوا ـ شيئًا يُذكرُ! برغم صياحِهم، وضجيجهم: بأنهم يريدونها حكومةً إسلاميةً !! مما سبب سفك دماء أبرياءَ كثيرين بهذه الحجة الواهية !! دون أن يحققوا من ذلك شيئًا، فلا نزال نسمع منهم العقائد المخالفة للكتاب والسنة، والأعمال المنافية للكتاب والسنة، فضلاً عن تكرارهم تلك المحاولات الفاشلةَ المخالفةَ للشرعِ.
وختاما أقولُ: هناك كلمةٌ لأحد الدعاة ـ كنت أتمنى من أتباعهِ أن يلتزموها وأن يحقِّقوها ـ وهي: (أَقيموا دولةَ الإسلامِ في قلوبِكم تَقُم لكم على أَرضِكم)؛ لأن المسلم إذا صحح عقيدته بناءً على الكتاب والسنة فلا شك أنه بذلك ستصلح عبادته، وستصلح أخلاقه، وسيصلُحُ سلوكه… الخ؛ لكن هذه الكلمة الطيبةَ ـ مع الأسف ـ لم يعمل بها هؤلاء الناسُ، فظلوا يصيحون مطالبين بإقامة الدولة المسلمة… لكن: دون جدوى !
ولقد صدق فيهم ـ والله ـ قولُ ذلك الشاعر:
تَرْجو النجاة ولم تسلُك مسالكَها إِنَّ السفينةَ لا تجـري على اليَبَسِ
… لعلَّ فيما ذكرتُ مقنعًا لكلِّ مُنصفٍ، ومنتهىً لكلِّ مُتعسِّفٍ. واللهُ المُستعانُ». انتهى كلام شيخنا الألباني رحمه الله.
قلت: وقد أيده في ذلك العلماء الفحول، منهم الشيخ العلامة ابن باز، والشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمهم الله جميعًا.
وهذا نصُّ تقريظ([10]) سماحة العلَّامة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله
لكلام شيخنا الألباني في التفصيل في التَّكفير.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه أما بعد:
فقد اطلعت على الجواب المفيد القيم، الذي تفضل به صاحب الفضيلة الشيخ محمد ناصرالدين الألباني وفقه الله، المنشور في صحيفة (المسلمون)، الذي أجاب به فضيلته من سأله عن: «تكفير من حكم بغير ما أنزل الله من غير تفصيل».
فألفيتها كلمة قيمة، أصاب فيها الحق، وسلك فيها سبيل المؤمنين وأوضح وفقه الله أنه لا يجوز لأحد من الناس أن يُكَفّرَ من حكم بغير ما أنزل الله بمجرد الفعل من دون أن يعلم أنه استحل ذلك بقلبه، واحتج بما جاء في ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن غيره من سلف الأمة.
ولاشك أن ما ذكره في جوابه في تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}[المائد:44]، و{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون} [المائد:45]، و:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}[المائد:46]، هو الصواب.
وقد أوضح وفقه الله أن الكفر كفران أكبر وأصغر، كما أن الظلم ظلمان، وهكذا الفسق فسقان أكبر وأصغر. فمن استحل الحكم بغير ما أنزل الله أو الزنا أو الربا أو غيرها من المحرمات المجمع على تحريمها فقد كفر كفرًا أكبر، وظلم ظلمًا أكبر، وفسق فسقًا أكبر. ومن فعلها بدون استحلال كان كفره كفرًا أصغر وظلمه ظلمًا أصغر وهكذا فسقه. لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «سِبابُ المسلمِ فسوقٌ، وقتالُه كفرٌ»([11]) أراد بهذا صلى الله عليه وسلم: الفسق الأصغر والكفر الأصغر. وأطلق العبارة تنفيرًا من هذا العمل المنكر.
وهكذا قوله صلى الله عليه وسلم: «اثنتان في الناس هما بهما كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت»([12]) أخرجه مسلم في صحيحه. وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض»([13]) والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
فالواجب على كل مسلم ولا سيما أهل العلم التثبت في الأمور، والحكم فيها على ضوء الكتاب والسنة، وطريق سلف الأمة. والحذر من السبيل الوخيم الذي سلكه الكثير من الناس لإطلاق الأحكام وعدم التفصيل.
وعلى أهل العلم أن يعتنوا بالدعوة إلى الله سبحانه بالتفصيل وإيضاح الإسلام للناس بأدلته من الكتاب والسنة، وترغيبهم في الاستقامة عليه والتواصي والنصح في ذلك، مع الترهيب من كل ما يخالف أحكام الإسلام. وبذلك يكونون قد سلكوا مسلك النبي صلى الله عليه وسلم، ومسلك خلفائه الراشدين وصحابته المرضيين في إيضاح سبيل الحق، والإرشاد إليه، والتحذير مما يخالفه عملًا بقول الله سبحانه: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}[فصلت: 33]. وقوله عز وجل: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}[يوسف:108]. وقوله سبحانه: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}[النحل:125]. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله»([14]) وقوله صلى الله عليه وسلم: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا»([15]) أخرجه مسلم في صحيحه. وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه لما بعثه إلى اليهود في خيبر: «ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فو الله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا، خيرٌ لك من حمر النعم»([16]) متفق على صحته.
وقد مكث النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاث عشرة سنة، يدعو الناس إلى توحيد الله، والدخول في الإسلام بالنصح والحكمة والصبر والأسلوب الحسن، حتى هدى الله على يديه وعلى يد أصحابه من سبقت له السعادة. ثم هاجر إلى المدينة عليه الصلاة والسلام، واستمر في دعوته إلى الله سبحانه، هو وأصحابه رضي الله عنهم بالحكمة والموعظة الحسنة والصبر والجدال بالتي هي أحسن، حتى شرع الله له الجهاد بالسيف للكفار، فقام بذلك عليه الصلاة والسلام هو وأصحابه رضي الله عنهم أكمل قيام، فأيدهم الله ونصرهم وجعل لهم العاقبة الحميدة.
وهكذا يكون النصر وحسن العاقبة لمن تبعهم بإحسان، وسار على نهجهم إلى يوم القيامة. والله المسؤول أن يجعلنا وسائر إخواننا في الله من أتباعهم بإحسان، وأن يرزقنا وجميع إخواننا الدعاة إلى الله البصيرة النافذة والعمل الصالح، والصبر على الحق حتى نلقاه سبحانه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
تعليق فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين([17])
الذي فهم من كلام الشيخين: أَنَّ الكفر لمن استحل ذلك، وأما من حكم به على أنه معصيةٌ مخالفةٌ: فهذا ليس بكافر، لأنه لم يستحله، لكن قد يكون خوفًا، أو عجزًا، أو ما أشبه ذلك، وعلى هذا فتكون الآيات الثلاث منزلة على الأحوالٍ الثلاثٍ:
1ـ من حكم بغير ما أنزل اللهُ بدلًا عن دين الله، فهذا كفرٌ أكبر مخرجٌ عن الملة، لأنه جعل نفسهُ مُشرعًا مع الله عز وجل، ولأنه كارهٌ لشريعته.
2ـ من حكم به لهوى في نفسه، أو خوفًا عليها، أو ما أشبه ذلك، فهذا لا يكفرُ، ولكنه ينتقلُ إلى الفسق.
3ـ من حكم به عدوانًا وظلمًا، وهذا لا يتأتى في حكم القوانين، ولكن يتأتى في حكم خاصٍّ: مثل أَن يحكم على إنسان بغير ما أنزل الله لينتقم منه، فهذا يقال: إنه ظالم.
فتنزل الأوصاف على حسب الأحوال.
ومن العلماءِ من قال: إنها أوصافٌ لموصوف واحد، وأن كل كافر ظالمٌ، وكل كافر فاسقٌ، واستدلوا بقوله تعالى: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ}[البقرة:254]، وبقوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ}[السجدة:20]، وهذا هو الفسقُ الأكبر.
نصائحه وتوجيهاته رحمه الله:
كان شيخنا ينصح بعدة كتب منها([18]):
في العقيدة:
مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ومنها: «قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة» و«الرد على البكري». و«كتاب التوحيد»، للإمام محمد بن عبد الوهاب، وشرحه «فتح المجيد»، للشيخ حسن آل الشيخ رحمهم الله. و«مجموعة التوحيد النجدية».
وفي الفقه:
«الروضة الندية شرح الدرر البهية»، لصديق حسن خان. و«الدراري المضية شرح الدر البهية»، للشوكاني. و«فقه السنة»، للسيد سابق.
وفي السيرة:
«السيرة النبوية»، للحافظ ابن كثير الدمشقي وهي مطبوعة مستقلة، ومأخوذة من: «البداية والنهاية»، لابن كثير. و«زاد المعاد في هدي خير العباد»، لابن القيم.
وصاياه للشباب المسلم وطلبة العلم:
كان شيخنا رحمه الله يوصي دائمًا بتقوى الله عز وجل، وأن يكون طلب العلم خالصًا لوجه الله، لا يريد به صاحبه جزاءً ولا شكورًا في الدنيا، ولا تصدرًا للمجالس. كما يوصيهم بالابتعاد عن المزالق التي قد يقع بها بعض طلاب العلم، من العُجْب والغرور، وأن يفتي بما بدا له، وأن يستعين بأهل العلم من سلف الأمة الصالح. وينصحهم بالصبر على طلب العلم، وأن يبتعدوا عن كل خلق ليس إسلاميًا ومن ذلك: ألا يغتروا بما أوتوا من علم، وأن لا يغلبهم العجب، وأن ينصحوا الناس أخيرًا بالتي هي أحسن، ويبتعدوا عن الأساليب القاسية والشديدة إذ يقول شيخنا:
لأننا جميعًا نعتقد أن الله عز وجل حين قال : { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}[النحل:126]، إنما قال ذلك لأن الحق في نفسه ثقيل على الناس، ثقيل على النفوس البشرية، ولذلك فهي تستكبر عن قبوله، إلا من شاء ربك. فإذا انضم إلى ثقل الحق على النفس البشرية عضو آخر، وثقل آخر، وهو القسوة في الدعوة، كان ذلك تنفيرًا للناس عن الدعوة، وقد تعلمون قول الرسول صلى الله عليه وسلم «إنَّ مِنْكُم مُنَفرينَ» ثلاثًا([19]).
كما سمعت شيخنا رحمه الله ينصح طلبة العلم بالمثابرة على العلم والتحصيل، وعدم التعجل في التأليف وإخراجه للناس وإن كان المرء كاتبًا ـ ولابد ـ فليكتب لنفسه ويحتفظ به، ولا يخرجه إلا بعد النضوج فيرجع إلى ما كتب ويراجعه.
الخلاف لا يُفسد الوُدَّ:
هذه العبارة سمعتها من شيخنا العلامة محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله في زيارتي الأخيرة له قبل وفاته خلال وداعي له قبل سفري من الأردن إلى السعودية.
ومناسبتها أن فضيلة الشيخ عبد القادر السندي رحمه الله ـ وكان من أساتذة الجامعة الإسلامية بالمدينة ـ كتب ردًا على شيخنا الألباني في مسألة حجاب المرأة ـ وكان يناقش المسألة بأدب جمّ ـ فأوصاني بالسلام على شيخنا والاعتذار له عن الرد عليه بأنه لم يكن يعلم بأن الرد سيكون عونًا على أهل السنة، ويفرح به أهل البدع، فأوصاني بالسلام على شيخنا والاعتذار منه عمّا كتبه.
ولما أبلغت شيخنا سلام الشيخ عبد القادر وما أوصاني به من الاعتذار قال لي قبل مغادرتي منزله بلّغ الشيخ عبد القادر مني السلام، وقل له: «الذي تَعلمناهُ من السلفِ أنَّ الخَلافَ لا يُفْسدُ الوِد».
وليت شعري أين كثير من طلبة العلم اليوم أهل التوحيد والسنة من هذه الأخلاق ؟! وكيف يكون شأنهم وشأن الدعوة لو التزموا بها ؟! اللهم متعنا بمحاسن الأخلاق وجنبنا سيئها آمين.
الشيخ ناصر والعصبيات الحزبية المعاصرة:
لقد سمعت شيخنا رحمه الله في أحد مجالسه بالمدينة قبل أكثر من ثلاثين عامًا يقول ما معناه: «… وإن كانت العصبية المذهبية ذهبت أو لم توجد في بعض هؤلاء، فقد حلَّ محلها عصبية عصرية أخرى آلا وهي العصبية للأحزاب والجماعات».
نعم لقد صدق شيخنا في قوله هذا في ذلك الوقت، ولقد ازدادت العصبية البغيضة والتفرق الحزبي بعده، حتى أصبح التفرق أشد مما كان من بعض المتعصبين مذهبيًا من عدم الصلاة خلف بعض الأئمة من غير مذهبهم وغير ذلك في بعض العصور، فإلى الله المشتكى ولا حول ولا قوة إلا بالله.
([1]) «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد» (ص173)، طبعة مكتبة المعارف.
([2]) «العقيدة الطحاوية شرح وتعليق» (ص7). طبعة مكتبة المعارف.
([3]) نقلاً عما كتبه أخونا الشيخ زياد التكلة في كتابته عن الشيخ عبد الرحمن الباني رحمه الله.
([4]) وذكر الشيخ أيضًا أنه في مقابل أولئك المبتدعة من أنكر هذا الحديث وحكم عليه بالوضع لما فيه من ذم العراق.
([5]) «صوت العرب تسأل ومحدث الشام يجيب».
([6]) انظر «شهر في دمشق» للأستاذ الأديب عبد الله بن خميس (ص74) فما بعدها، وسيأتي نقل كلامه إن شاء الله.
([7]) هكذا في «شهر في دمشق» للأديب عبد الله بن خميس رحمه الله، وفي سؤالات أخينا الشيخ علي الحلبي لشيخنا(1/84) أنه لم يدرِّس التفسير.
([8]) هكذا في «شهر في دمشق» للأديب عبد الله بن خميس رحمه الله، وفي سؤالات أخينا الشيخ علي الحلبي لشيخنا(1/84) أنه لم يكن هو الذي يدرسه بل كان يدرسه رئيس المجمع العربي في دمشق.
([9]) «مقالات الألباني» (ص191)، دار أطلس للنشر والتوزيع.
([10]) نشر في مجلة (الدعوة) العدد (1511) بتاريخ 11/5/1416هـ، الموافق 5/10/1995م. كما نشر أيضًا في جريدة (المسلمون) العدد (557) بتاريخ 12/5/1416هـ، الموافق 6/10/1995م. وانظر: «مجموع فتاوى ومقالات متنوعة» (9/124).
([11]) رواه البخاري ح 46، ومسلم ح 97،
([12]) رواه مسلم ح 100، وأحمد ح 10030.
([13]) رواه البخاري برقم 118، ومسلم ح 98.
([14]) رواه مسلم ح 3509 واللفظ له، ورواه الترمذي ح 2595، وأبو داود ح 4464.
([15]) رواه مسلم ح 4831، والترمذي ح 2598، وأبو داود ح 3993، وأحمد ح 8795.
([16]) رواه البخاري في المناقب برقم 3425، ورواه مسلم في فضائل الصحابة برقم 4423 واللفظ متفق عليه.
[17]) وهو في شريط مسجل.
([18]) انظر «حياة الألباني وآثاره» (ص430).
([19]) انظر «حياة الألباني وآثاره» (ص453 ـ 455).