وفيه فصلان:
الفصل الأول: براعته في السنة النبوية وفقهها وخدمته لها.
الفصل الثاني: براعته في تبيان محاسن التشريع الإسلامي.
الفصل الأول: براعته في السنة النبوية ووفقهها وخدمته لها.
تتجلى براعة شيخنا الألباني رحمه الله في السنة النبوية وخدمته لها من وجوه عديدة أوجز أبرزها يلي:
عنايته بمكانة السنة وحجيتها:
إنَّ للشيخ العلامة الألباني جهودًا كبيرةً جليَّةً في خدمة حديث النبي صلى الله عليه وسلم والذَّبِّ عنه، وقد ألَّف ما يربوا على مائتين وخمسين مصنفًا، بين تأليفٍ وتحقيقٍ وتعليق واختصار، وقد كُتبت عدَّة رسائل جامعيَّة([1]) في جوانب عدَّةٍ عنه، كما سُجِّلت أخرى في دراسةِ جوانب من جهود هذا الإمام([2])، ولكني سأذكر هنا أبرز ما يظهر لي من عنايته في الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم من خلال ما يلي:
ـ إنَّ السنة النبويَّة وحيٌ من الله تعالى:{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:3ـ5].
ـ وهي محفوظةٌ بقوله تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[الحجر: 9ـ10].
ـ وهي مبيِّنة للقرآن الكريم كما قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}[النحل:44].
ـ وهي الحكمة كما قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}[آل عمران:164]، وقد أوجب الله على المسلمين اتّباع الرَّسول صلى الله عليه وسلم فيما يأمر وينهى، فقال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}[الحشر:7].
ولقد أصَّل الشيخ الألباني رحمه الله في مؤلفاته ودعوته لهذا الأمر العظيم، وكتب رسالةً بعنوان: «الحديث حجةٌ بنفسه في العقيدة والأحكام»، وأصلها محاضرة ألقاها في مؤتمر اتحاد الطلبة المسلمين الذي انعقد في غرناطة عام 1392هـ الموافق سنة 1972م، وأبان فيها عن وجوب الرجوع إلى السنة، وتحريم مخالفتها، لأن القرآن يأمرنا بالاحتكام إلى سنة رسول الله، ثم أثبت بالدلائل القرآنية، وبالأحاديث النبوية الصحيحة لزوم اتباع النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، وأبان عن موقف المسلم الصحيح من السنة النبويَّة ومكانتها في الإسلام وحجِّيتها، وواجب المسلمين في الرُّجوع إليها والتَّحذير من مخالفتها، ثم تكلم عن تحكُّم بعض الخلف بالسنة بدل التَّحاكم إليها، وإهمالهم السُّنَّة بسبب أصول أو قواعد تبنَّاها بعض علماء الكلام أو بعض الفقهاء علماء الأصول. ثم أجاب عن هذه الأصول أو القواعد التي صرفتهم عن دراسة السُّنَّة واتِّباعها.
كما تحدَّث عن بطلان تقديم القياس وغيره على الحديث النَّبويّ، وذكر شدَّة نكير السلف وغضبهم على من عارض الحديث برأيٍ أو قياسٍ أو استحسانٍ أو قول أحدٍ من النَّاس كائنًا من كان. وأكَّد الشيخ أنَّ عدم الاحتجاج بحديث الآحاد في العقيدة بدعةٌ محدثةٌ، لا يعرفها السلف، وأنَّ هذا التَّفريق باطلٌ بإجماع الأمة([3]).
وأمَّا في رسالته الأخرى: «وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة والرد على شبه المخالفين»، فقد فنَّد فيها دعاوى الذين يفرقون بين العقائد والأحكام في الاحتجاج الحديث، وأجاب عن الشبهات التي أثيرت حول هذا الموضوع، ونقض دعاوى الذين لا يستدلُّون بأخبار الآحاد في العقيدة ببراهين ساطعة، وردَّ على من ادَّعى الإجماع في هذا الموضوع، وأبان خطورة هذا القول الذي يؤدي في حقيقة الأمر إلى إنكار ما عليه المسلمون من عقائد صحيحةٍ، لا تثبت إلا بأحاديث الآحاد، مع كون بعض الأحاديث التي ينكرونها إنما هي متواترة أيضًا.
كما أنَّه ذكر في تعليقٍ له على قول الإمام الطحاوي رحمه الله: «وجميع ما صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشَّرع والبيان كلّه حقّ»: «يعني دون تفريقٍ بين ما كان منه خبر آحاد أو تواتر، ما دام أنَّه صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الحق الذي لا ريب فيه، والتفريق بينهما إنما هو بدعة وفلسفةٌ دخيلةٌ في الإسلام، مخالفٌ لما كان عليه السلف الصالح والأئمة المجتهدون»([4]).
تحذيره من مخالفة الهدي النبوي والابتداع في الدين:
قرَّرَ الشيخ رحمه الله : أنَّ مما يجب العلم به أنَّ معرفة البدع التي أدخلت في الدين أمرٌ هامٌّ جدًا؛ لأنه لا يتمّ للمسلم التَّقرب إلى الله تعالى إلا باجتنابها، ولا يمكن ذلك إلا بمعرفة مفرداتها إذا كان لا يعرف قواعدها وأصولها، وإلا وقع في البدعة وهو لا يشعر، فهي من باب: «ما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب»، كما يقول علماء الأصول رحمهم الله تعالى، ومثل ذلك معرفة الشرك وأنواعه، فإنَّ من لا يعرف ذلك وقع فيه، كما هو مشاهدٌ من كثيرٍ من المسلمين الذين يتقرَّبون إلى الله بما هو شركٌ، كالنَّذر للأولياء والصالحين، والحلف بهم، والطواف بقبورهم، وبناء المساجد عليها، وغير ذلك مما هو معلومٌ شركه عند أهل العلم؛ ولذلك فلا يكفي في التَّعبُّد الاقتصار على معرفة السنَّة فقط، بل لا بد من معرفة ما يناقضها من البدع، كما لا يكفي في الإيمان التوحيد دون معرفة ما يناقضه من الشركيَّات، وإلى هذه الحقيقة أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله؛ حرم ماله ودمه وحسابه على الله»([5]).
فلم يكتف عليه السلام بالتوحيد، بل ضمَّ إليه الكفر بما سواه، وذلك يستلزم معرفة الكفر وإلا وقع وهو لا يشعر، وكذلك القول في السنة والبدعة ولا فرق في ذلك؛ لأن الإسلام قام على أصلين عظيمين:
أن لا نعبد إلا الله.
وأن لا نعبده إلا بما شرع.
فمن أخلَّ بأحدهما فقد أخلَّ بالآخر، ولم يعبد الله تبارك وتعالى، وتحقيق القول في هذين الأصلين تجده مبسوطًا في كتب شيخي الإسلام ابن تيميَّة وابن القيم رحمهما الله تعالى.
فثبت مما تقدَّم أنَّ معرفة البدع أمرٌ لا بدَّ منه، لتسلم عبادة المؤمن من البدعة التي تنافي التَّعبد الخالص لله تعالى، فالبدع من الشرِّ الذي يجب معرفته لا لإتيانه، بل لاجتنابه، على حد قول الشاعر :
عرفتُ الشَّرَّ لا للشَّرِّ لكنْ لتَوقِيهِ ومنْ لا يعرف الشَّر من الخيرِ يَقعُ فيه
وهذا المعنى مستقى من السنَّة، فقد قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهليةٍ وشرٍّ، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شر؟
قال: «نعم».
فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير ؟
قال: «نعم وفيه دخن».
قلت: وما دخنه ؟
قال: «قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر».
فقلت: هل بعد ذلك الخير من شرٍّ ؟
قال: «نعم دعاةٌ على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قدفوه فيها».
فقلت: يا رسول الله صفهم لنا.
قال: «نعم قوم من جلدتنا ويتكلَّمون بألسنتنا…»، الحديث([6]).
وقال رحمه الله: «ولهذا كان من الضروري جدًا تنبيه المسلمين على البدع التي دخلت في الدين، وليس الأمر كما يتوهَّم البعض: أنه يكفي تعريفهم بالتوحيد والسنة فقط، ولا ينبغي التعرض لبيان الشركيات والبدعيات، بل يسكت عن ذلك، وهذا نظرٌ قاصرٌ، ناتجٌ عن قلَّة المعرفة والعلم بحقيقة التوحيد الذي يباين الشرك والسُّنَّة التي تباين البدعة، وهو في الوقت نفسه يدل على جهل هذا البعض بأن البدعة قد يقع فيها حتى الرجل العالم، وذلك لأنَّ أسباب البدعة كثيرة جدًا لا مجال لذكرها الآن، ولكن أذكر سببًا واحدًا منها، وأضرب عليه مثلًا، فمن أسباب الابتداع في الدين الأحاديث الضعيفة والموضوعة، فقد يخفى على بعض أهل العلم شيء منها، ويظنها من الأحاديث الصحيحة فيعمل بها، ويتقرَّب إلى الله تعالى ثم يقلِّده في ذلك الطلبة والعامَّة فتصير سنة متَّبعة»([7]).
ولخطر الابتداع والإحداث في دين الله نبَّه الشيخ رحمه الله في كتابه «حَجَّة النبي صلى الله عليه وسلم»([8]) على البدع التي يقع فيها بعض الحجاج، منذ عزمهم على السفر، حتى رجوعهم إلى أهلهم.
كما عقد في كتابه «أحكام الجنائز» فصلًا خاصًّا([9]) ببدع الجنائز، ذكر فيه ما وقف عليه من البدع، منصوصًا عليه في كتاب من كتب أهل العلم قديمًا وحديثًا، عازيًا كلَّ بدعةٍ إلى موضعها من كتبهم، وما لم يعزه إليهم، فهو مما يحكم المنهج العلمي في أصول البدع أنَّه منها، ولكنه لم ير من نَصَّ منهم عليها، وكثيرٌ منها من بدع العصر الحاضر، كما قال رحمه الله.
وكما حقَّق كتاب «إصلاح المساجد من البدع والعوائد»، للشيخ محمد جمال الدين القاسمي، وخرَّج أحاديثه وعلَّق عليه.
وكذلك نَبَّه على البدع في كتابه «الأجوبة النَّافعة عن أسئلة لجنة مسجد الجامعة»([10])، بل له مشروعُ تأليفِ كتابٍ باسم: «قاموس البدع»، وقد طُبِع أخيرًا بجمع فضيلة الشيخ مشهور حسن مما نصَّ عليه الألباني رحمه الله.
عنايته بتجريد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم:
لقد عُني الشيخ الألباني رحمه الله كثيرًا بتحقيق تجريد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، لأنه المتمم لتجريد التوحيد لله عز وجلَّ، إذ المعنى الحقيقي للشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله هو إفراد الله عز وجل بالعبادة، وإفراد رسوله صلى الله عليه وسلم بالاتباع.
ونجد من عنايات الشيخ رحمه الله في تجريد المتابعة للنَّبيّ صلى الله عليه وسلم ما سطَّره خلال كتابه «صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم»([11])، إذ نقل أقوال الأئمة في اتّباع السُّنَّة، وترك أقوالهم المخالفة لها، منها:
ـ قول الإمام أبي حنيفة النُّعمان بن ثابت رحمه الله: «لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا؛ ما لم يعلم من أين أخذناه»، و «حرامٌ على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي».
ـ وقول الإمام مالك: «ليس أحدٌ ـ بعد النبي صلى الله عليه وسلم ـ إلا ويؤخذ من قوله ويترك؛ إلا النبي صلى الله عليه وسلم».
ـ وقول الإمام الشافعي رحمه الله: «ما من أحد إلا وتذهب عليه سنّةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعزب عنه، فمهما قلتَ من قولٍ، أو أصَّلتَ من أصلٍ فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلت؛ فالقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قولي»، و«أجمع المسلمون على أنَّ من استبان له سنَّة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحلَّ له أنْ يدعها لقول أحد».
ـ وقول الإمام أحمد رحمه الله: «رأي الأوزاعي، ورأي مالك، ورأي أبي حنيفة؛ كله رأي، وهو عندي سواء، وإنَّما الحجَّة في الآثار»، وقوله: «من ردَّ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو على شفا هلكةٍ».
كما أكَّد على ذلك في ثنايا كتابه «الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام»، وقد نقل الألباني عن ابن القيم رحمهما الله تعالى([12]) قوله:
«وقد كان السلف الطيب يشتدّ نكيرهم وغضبهم على من عارض حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيٍِ أو قياسٍ أو استحسان، أو قول أحدٍ من الناس كائنًا من كان، ويهجرون فاعل ذلك، وينكرون على من يضرب له الأمثال، ولا يسوغون غير الانقياد له صلى الله عليه وسلم، والتسليم والتلقي بالسمع والطاعة، ولا يخطر بقلوبهم التَّوقُّف في قبوله حتى يشهد له عملٌ أو قياسٌ، أو يوافق قول فلان وفلان، بل كانوا عاملين بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب:36]، وبقوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}[النساء:65]، وبقوله تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ}[الأعراف:3]، وأمثالها، فدفعنا إلى زمان إذا قيل لأحدهم: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال كذا وكذا يقول: من قال هذا ؟ دفعا في صدر الحديث، ويجعل جهله بالقائل حجَّةً له في مخالفته وترك العمل به، ولو نصح نفسه لعلم أنَّ هذا الكلام من أعظم الباطل، وأنَّه لا يحلّ له دفع سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الجهل، وأقبح من ذلك عذره في جهله، إذ يعتقد أن الإجماع منعقد على مخالفة تلك السُّنَّة، وهذا سوء ظنٍّ بجماعة المسلمين، إذ ينسبهم إلى اتِّفاقهم على مخالفة سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبح من ذلك عذره في دعوى هذا الإجماع، وهو جهله وعدم علمه بمن قال بالحديث، فعاد الأمر إلى تقديم جهله على السُّنَّة. والله المستعان»([13]).
حثُّه على لزوم اتباع نهج السلف:
لقد عُنِيَ الشيخ الألباني رحمه الله بهذا الأمر كثيرًا، تقعيدًا واستدلالًا، بل كان هذا سمةً غالبةً على دعوته رحمه الله، ومن تقريراته تلك قوله:
«عليك بطريقة السلف؛ فإنها أعلم وأحكم وأسلم، ودع طريقة التأويل التي عليها الخلف الذين زعموا: (أنَّ طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم)؛ فإنَّه باطلٌ من القول، وفيه ما لا يخفى من نسبة الجهل إلى السَّلف، والعلم إلى الخلف!! وسبحان الله كيف يصدر مثل هذا القول ممن يؤمن بفضائل السَّلف التي لا تخفى على أحدٍ»([14]).
وأكَّد على لزوم اتباع نهج السَّلَف، فقال: إنَّ مما لا يرتاب فيه عالم من علماء المسلمين العارفين حقًا بفقه الكتاب والسنَّة، ومنهج السَّلَف الصالح الذين أمرنا بالتَّمسُّك بنهجهم، ونُهينا عن مخالفة سبيلهم، في مثل قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}[النساء: 115].
كما قال: «إنَّ السلف رضوان الله عليهم أفقه بالحال وأعرف بالمقال، فما يسعنا إلا اتِّباعهم فيما فعلوه»([15]).
عنايته بالذب عن الرسول صلى الله عليه وسلم فيما لم يثبت عنه:
لقد اتَّفق العلماء على أنَّ تعمُّد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكبائر، لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «من كذب عليّ متعمدًا فليتبوَّأ مقعده من النَّار»([16]). ولقوله صلى الله عليه وسلم: «من حدَّث عني بحديثٍ يُرى أنه كذبٌ فهو أحد الكاذبَين»([17]).
ولهذا قَيَّض الله عز وجل على مرِّ القرون جهابذة نقادًا، يذبُّون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نُسِب إليه، وهذا من حفظ الله لدينه لأنَّ السُّنَّة هي المبيِّنة والموضِّحة لكتاب الله كما قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}[النحل: 44]، ولقد سئل الإمام عبد الله بن المبارك المروزي عن الأحاديث الموضوعة فقال: (تعيش لها الجهابذة)، ثم تلا: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[الحجر:9] ([18]).
ولذا قد اعتنى علماء الإسلام من المحدثين في التحذير من الضعيف والموضوع من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان للشيخ العلامة الألباني رحمه الله نصيبٌ كبيرٌ من ذلك، وقد قال سماحة الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العقيل حفظه الله : «ومن حسنات هذا الإمام: أنه أحيَى في الأمة الاهتمام بتمحيص الحديث الصحيح من الضعيف، سواءٌ في كتب الحديث والفقه وغيرهما، كما أشاع مبدأ التَّقيُّد بالسُّنَّة والحذر من البدعة، ونصرة العمل بالدَّليل.. أشاع هذه الأمور في طبقاتٍ، تجاوزت العلماء وطلبة العلم إلى عموم المثقَّفين ومحبِّي السُّنّة»([19]).
وعناية الألبانيّ في بيان الضعيف والموضوع بارزةٌ للعيان، من خلال سائر كتبه، لاسيما كتابه «سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء على الأمة»، وبلغ عدد الأحاديث التي تصدى لها هذا الكتاب في أربعة عشر مجلدًا، وتزداد أهمية هذا الكتاب في نقده للمتون، إضافةً للأسانيد في بيان وهاء هذه الأحاديث، وهذا ما يعرف بنقد المتن، وما عليه أئمتنا النقاد الأولون، خلافًا لدعاوى المستشرقين وأتباعهم أنَّ علماء الحديث لم يتجهوا لنقد المتن في الحديث.
براعته في علوم الحديث:
لقد برع شيخنا الألباني رحمه الله في تخريج الحديث ونقده، وعلم التخريج كما يقول السّيوطيّ رحمه الله: «العمدة في علم الحديث على معرفة صحيح الحديث وسقيمه، وعلله واختلاف طرقه، ورجاله جرحًا وتعديلًا، وأما العالي والنازل ونحو ذلك، فهو من الفضلات، لا من الأصول المهمة»([20]).
وتأهَّل الشيخ للتدريس، ودرَّس عددًا من الكتب في علومٍ متعددة: في العقيدة والحديث وعلومه والأدب، ومما درَّس من كتب الحديث الشريف وعلومه:
«الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث»، للمحدث أحمد شاكر، و«الترغيب والترهيب»، للمنذري، و«الأدب المفرد»، للإمام البخاري، و«رياض الصالحين»، للنووي، و«الإلمام في أحاديث الأحكام»، لابن دقيق العيد، ولكنه لم يتم الكتابين الأخيرين.
كما برع في تخريج الأحاديث ومما له: «إرواءُ الغليل في تخريج أحاديث: منار السبيل»، و «سلسلةُ الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها»، و «سلسلةُ الأحاديث الضَّعيفة والموضوعة وأثرها السَّيِّئ في الأمة»، و «تخريجُ سنن أبي داود»، وهو من أوسع كتبه وأنفعها، و«ظلال الجنة في تخريج السنة لابن أبي عاصم».
وفي تمييز الصحيح من الضعيف: «صحيح وضعيف الأدب المفرد»؛ للبخاري، و«صحيح وضعيف الترغيب والترهيب»، للمنذري، و«صحيح وضعيف الجامع الصغير وزياداته»، للسيوطي، و«صحيح وضعيف (موارد الظمآن) إلى زوائد ابن حبان»، للهيثمي مع استدراكاتٍ مهمةٍ نفيسةٍ.
وفي التحقيق والتعليق: «مشكاةُ المصابيح»، للخطيب التبريزي، و «رياضُ الصالحين»، للنووي، و «كتابُ الإيمان»، لابن أبي شيبة، و «كتابُ الإيمان»، لأبي عُبَيْد القاسم بن سلام، و «تمامُ المنَّة في التعليق على فقه السنّة».
وفي علوم الحديث ومصطلحه: مقدمة «تمام المنة»، و«الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام» و«وجوب الأخذ بالآحاد في العقيدة والأحكام»، و «الرَّدّ على شبه المخالفين»، و «مقدِّمة صحيح موارد الظمآن»، ومن خلال إجابات الشيخ على أبي الحسن المأربي في علوم الحديث، ومن سؤالات المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله لأبي عبد الله أحمد بن إبراهيم أبي العينين.
وفي رواة الحديث: من خلال تحقيقاته المتناثرة ودراسته لهم في مصنفاته أسماء شيوخ الطبراني في: «المعجم الأوسط»، و «الجمعُ بين (ميزان الاعتدال)، و(لسان الميزان) للحافظين الذهبي، وابن حجر»، وأنفعها «تيسير انتفاع الخلان بكتاب ثقات ابن حبان».
وفي الاختصار مع التعليق والتخريج: «مختصر الشمائل المحمدية»، للترمذي، و«مختصر صحيح البخاري»، و«مختصر العلو للعلي العظيم وإيضاح صحيح الأخبار من سقيمها»، للذهبي.
وفي السيرة النبوية : «خلاصةُ السيرة»، و«صحيح السيرة النبوية»، ولكنه لم يتمّه، وصل فيه إلى الإسراء والمعراج.
براعته في علل الحديث:
وأما براعته في علل الحديث فيدرك ذلك أهل الشأن وفرسانه، وسأكتفي هنا بذكر ما سطره أخونا الفاضل الدكتور محمد حمدي أبو عبدة في رسالته: «منهج الإمام المجدد المحدث الألباني في تعليل الحديث»، حيث قسم رسالته إلى ثلاثة فصول بيّنها بقوله:
الفصل الأول: عن العلل الناشئة عن عدم الاتصال، وقسمته إلى مبحثين:
تكلمت في الأول منهما عن علل دفع السماع المتوهم وثبوته وبينت فيه أن هناك سماعات لبعض الرواة لم تثبت لهم فقام أهل النقد بنفيها ـ بالرغم من وجود صيغ السماع ـ وهناك سماعات لرواة آخرين نُفِيَتْ عنهم فقام العلماء باستخدام القرائن لإثباتها لهم، ثم بينت أن الشيخ الألباني قد سار على منهج العلماء النقاد في هذه المسائل.
وأما المبحث الثاني: فتناولت فيه العلل الناشئة عن تعارض الوقف مع الرفع وعن تعارض الوصل مع الإرسال، وذكرت أشهر المسائل المتعلقة بهما، وما كان موقف الشيخ الألباني منها، حيث أنه استخدم قرائن الترجيح فيها ولم يخرج عن منهج أهل النقد والتعليل.
وأما الفصل الثاني ـ وكان مهمًا للغاية لشهرته ودقته ـ فكان للحديث عن زيادات الرواة الثقات، وجعلته في ثلاثة مباحث.
تحدثت في الأول منها عن زيادة الثقة واختلاف أهل النقد فيها ثم ذكرت رأي الشيخ الألباني فيها، وعرّجت فيه للحديث عن الشذوذ والنكارة عند الشيخ الألباني، ثم بينت مكانته بين أقسام أهل النقد الذين اختلفوا في هذه الزيادة (رفضًا وقبولًا).
وفي المبحث الثاني تحدثت عن المزيد في متصل الأسانيد وأثبتّ أن الشيخ الألباني كانت له يد فيه حيث نفى ذلك عنه بعض المشتغلين بالحديث من الدكاترة الفضلاء.
وفي المبحث الثالث تناولت موضوع الإدراج وخاصة ما كان منه في الإسناد، وكيف تعامل معه الشيخ الألباني.
وأما الفصل الثالث والأخير فتحدثت فيه عن العلل الناشئة عن (الوهم والخطأ) كالإبدال والتخليط، وأقصد ما كان يقع من الرواة من (تصحيف أو إبدال راوٍ براوٍ أو سلوك جادة أو طروء اختلاط أو رواية بالمعنى)، ثم بينت منهج الشيخ الألباني في هذه المسائل».
ثم ختم رسالته بنتائج منها:
تميزت طريقة الشيخ في التعليل؛ بالتعليل الموسع ـ طويل النفس ـ مما يُتعب مَنْ لا مِراس له في هذا العلم. وهذا مما يُسجَل للشيخ بأن له مدرسة خاصة في التعليل.
ومن خلال هذه الدراسة ظهر للباحث أن الشيخ قد سار على منهج علماء التعليل من المتقدمين والمتأخرين، وفي هذا رد على من زعم بأن الشيخ الألباني لم يكن سوى جَمّاعًا نقّالًا. فقد جمع ونقل عن المتقدمين والمتأخرين وناقشهم ورجح ـ بالقرائن ـ ما رآه صوابًا.
في كثير من الأحايين، كان عمل الشيخ يقتصر على الترجيح ـ فقط ـ بين أقوال الأئمة السابقين، ولم يكن له عمل سوى الترجيح. دون أن يكون له رأي جديد في المسألة.
توصل الباحث إلى أن ظاهرة استخدام القرائن في تعليلات الشيخ كانت ظاهرة بكثرة فيها.
ظهر للباحث أن كتب الشيخ الألباني المتعلقة بعلم العلل، تستحق بأن تكون مرجعًا مهمًا لطلبة العلم وللباحثين، وهذا يسد الباب في وجه المبتدئين والناقمين على الشيخ.
أن الشيخ الألباني من العلماء العاملين الذين ينبغي الرجوع إلى كتبهم واعتمادها في التخريج والتحقيق. وذلك لدقة أحكامه وترجيحاته وموافقته لمنهج الأئمة من قبله.
جهود الشيخ الألباني في الفهرسة:
فهرس الشيخ رحمه الله لكتبه، وللكتب التي كان يستخدمها كثيرًا، وفهرس أيضًا لبعض المكتبات التي كان يتردد عليها، فمن هذه الفهارس:
ـ «فهرس مسانيد الصحابة لمسند الإمام أحمد».
ـ «المنتخبُ من مخطوطات الحديث».
ـ الفهارس العلمية الدقيقة التفصيلية في السلسلتين الصحيحة والضعيفة في أسماء الرواة والفوائد، والترتيب للأحاديث على الموضوعات في السِّلسلتين الصحيحة والضعيفة.
تعليق الشيخ رحمه الله على بعض الكتب:
التعليق على تحقيق «صحيحُ ابن خزيمة»، للدكتور محمد مصطفى الأعظمي، فراجعه الشيخ، وأضاف إليه من تخريجه.
ردود الشيخ رحمه الله العلميَّة:
ـ «دفاعٌ عن الحديث النبوي والسيرة».
ـ «الذبُّ الأحمد عن مسند الإمام أحمد».
ـ «الردُّ على رسالة: (التعقيب الحثيث) لعبد الله الحَبَشي».
ـ «الردُّ على كتاب: (تحرير المرأة في عصر الرسالة) لمحمد عبد الحليم أبو شقة».
ـ «الردُّ على كتاب: (المراجعات) للمدعو عبد الحسين! شرف الدين».
ـ «النصيحةُ بالتحذير من تَخريب (ابن عبد المنان) لكتب الأئمة الرَّجيحة، ومن تضعيفه لمئات الأحاديث الصحيحة».
براعته في الفقه والاستنباط:
يدرك كل من قرأ لشيخنا الألباني رحمه الله تضلعه في علوم الحديث النبوي، وشهادات كبار العلماء، وكبار علماء أهل الحديث يشهدون له بذلك، وكتبه وتحقيقاته مرجع أساس للباحثين، حتى غدت الشهادة له في ذلك لا تحتاج إلى بيان.
وإن الناظر لجلسات الشيخ، وما يدور فيها من إجابات وفتاوى عديدة جدًا، ومن جلس مع الشيخ وشاهد ما يسمع، يدرك مدى فقه الشيخ وعلمه، في الأصول، وفي القواعد الفقهية، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. بل كيف لا يكون فقيهًا من وفقه الله إلى خدمة سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وتمييز صحيحها من سقيمها، وشاذها من محفوظها، ومنكرها من معروفها، مع بيان غريبها أكثر من نصف قرن من عمره ؟! إن هذا لشيء عجاب.
ويُدرك فقهه جيدًا من خلال كتبه مثل:
ـ «صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم من التكبير إلى التسليم كأنك تراها».
ـ تعليقاته الفقهية على أحاديث السلسلتين الصحيحة والضعيفة.
ـ «تمام المنة في التعليق على فقه السنة».
ـ «الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب».
ـ «التعليقات الرضية على الروضة الندية».
ـ «تحريمُ آلات الطرب».
ـ «أحكامُ الجنائز وبدعها».
قال عنه شيخنا حماد الأنصاري رحمه الله أنه لم يؤلف في الإسلام مثله.
ـ «آدابُ الزفاف في السنة المطهرة».
ـ «حجةُ النبيّ صلى الله عليه وسلم كما رواها عنه جابر رضي الله عنه».
ـ «مناسكُ الحج والعمرة في الكتاب والسنة وآثار السلف».
ـ «جلباب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة».
وغير ذلك من كتبه رحمه الله.
فتاويه وإجاباته العلمية:
إن براعة شيخنا الألباني رحمه الله في الفتوى، وفي إحكام الإجابة على الأسئلة العلمية في فنون عدة، وخصوصًا في المسائل العقدية والحديثية، والفقهية والدعوية، وهي تمتاز بأنها مدعمة بالأدلة من الكتاب والسنة الصحيحة والآثار السلفية، والحجة الدامغة.
ولقد سُجِّلت له دروس وفتاوى وإجابات عديدة جدًا خلال إقامته بدمشق ثم بعَمَّان، وخلال أسفاره إلى الدول التي سافر إليها، وقد فُرِّغ كثير منها، وقد بُدئ فيما يخص العقيدة وكتب لها مقدمة في حياته يسر الله طباعتها، وأمَّا ما لم يسجل فكثير من خلال اللقاءات والزيارات وعبر الهاتف.
وقد أخرج الشيخ شادي النعمان موسوعة العقيدة في تسع مجلدات وموسوعة أخرى في اثني عشر مجلدًا نشر مكتبة ابن عباس بمصر.
الفصل الثاني
براعته في تبيان محاسن التشريع الإسلامي وأخلاقياته
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: تبيانه لمحاسن التشريع الإسلامي
المبحث الثاني: تبيانه لمعالم عدة في عظمة الإسلام وأخلاقياته
المبحث الأول: تبيانه لمحاسن التشريع الإسلامي
لقد أبان شيخنا الألباني رحمه الله عن محاسن التشريع الإسلامي من جوانب عدة أبرزها:
تبيانه لوسطية الإسلام:
يقرر الشيخ رحمه الله أن الإسلام وسط بين الإفراط والتفريط، حيث يقول:
«ومما لا شك فيه أنَّ تحقيق الاعتدال والتَّوسط بين الإفراط والتَّفريط، وتمييز الصحيح من الضَّعيف لا يكون بالجهل أو بالهوى، وإنَّما بالعلم والاتِّباع، وأنَّ ذلك لا يكون إلا بالفقه الصَّحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الفقه لن يكون إلا بمعرفة ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، من قولٍ وفعلٍ وتقريرٍ.
وإذا الأمر كذلك فإنَّه لا يمكن أن ينهض به إلا من كان من الفقهاء عالمًا أيضًا بعلم الحديث وأصوله، أو على الأقلّ يكون من أتباعهم وعلى منهجهم، ولقد أبدع من قال:
أهل الحديث هــم أهل النبي وإن لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا
وهم المقصودون بالحديث المشهور ـ على الاختلاف في ثبوته ـ: «يحمل هذا العلم من كلِّ خلفٍ عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين»([21]).
بل وبالحديث الصحيح: «إنَّ الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعهُ من الناس ولكن يقبض العلم بقبْض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتَّخذ النَّاس رؤوسًا جُهَّالًا فسُئِلوا، فأفتوا بغير علمٍ، فضلُّوا وأضلُّوا»([22])([23]).
وقال عندما ذكر أثر أسماء بنت أبي بكر ـ رضي الله عنهما ـ أنَّهما اتَّخذت خنجرًا زمن سعيد بن العاص للصوص، وكانوا قد استقروا في المدينة، فكانت تجعله تحت رأسها([24]):
«إنَّ هذا من آثار تربية النبي صلى الله عليه وسلم لهن على الحنيفية السمحة التي لا إفراط ولا تفريط، فكانوا كما قال الله تعالى:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}[آل عمران:110]، وقال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}[البقرة:143].
ثم قال: على هذا المنهج النبوي الكريم يجب على المشايخ والدعاة أن يقوموا بتربية الناس رجالًا ونساءً، ولن يستطيعوا ذلك إلا إذا تعرَّفوا على السنَّة والسيرة النبويَّة الصحيحة التي تشمل: قوله صلى الله عليه وسلم وفعله وتقريره، وما كان عليه سلفنا الصالح مما صحَّ عنهم، فإنَّ فقه العالم لا يستقيم إلا بهذا كله، مستعينًا على ذلك بأقوال الأئمة المجتهدين والعلماء المحققين، وإلا حاد عن الحق وسبيل المؤمنين.
ولله در شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حين نبه على هذا ـ وهو من نفائسه ولم أره لغيره ـ بقوله: «والمنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة ثبوت لفظه ودلالته، كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله».
كما تناول الوسطيَّة في مسألة فقه الواقع اليوم، إذ يقرِّر الشيخ أنَّ فقه الواقع بمعناه الشرعي الصحيح واجبٌ بلا شكٍّ، ولكن وجوبًا كفائيًا إذا قام به بعض العلماء سقط عن سائر العلماء، فضلًا عن طلاب العلم، فضلًا عن عامَّة المسلمين.
فلذلك يجب الاعتدال بدعوة المسلمين إلى معرفة (فقه الواقع)، وعدم إغراقهم بأخبار السياسة وتحليلات مفكري الغرب، وإنَّما الواجب دائمًا وأبدًا الدَّندنة حول تصفية الإسلام مما علق به من شوائب، ثم تربية المسلمين: جماعاتٍ وأفرادًا على هذا الإسلام المصفَّى، وربطهم بمنهج الدعوة الأصيل: الكتاب والسنَّة بفهم سلف الأمة([25]).
تبيانه لعدالة الإسلام:
لقد أبان الشيخ عن أهمية العدالة وأثرها من خلال جوابه عندما سئل عن قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «إنَّ الله يقيم الدولة العادلة وإنْ كانت كافرة، ولا يقيم الدَّولة الظالمة وإن كانت مسلمةً».
فقال: إنَّ الآية الكريمة التي تقول: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود:117]، وقد ذكر بعض علماء التفسير ذلك بأنَّ الظلم هو سبب خراب البلاد، وهلاك العباد، فإذا كانت الأمة أو الدولة كافرة، ولكنَّها تحكم بالعدل فيما بينها، هذا العدل الذي يعرفه الناس بفطرهم، فإذا كانوا يحكمون بذلك؛ تقوم دولتهم، وتستمرّ مدَّةً طويلةً، والتَّاريخ يشهد بهذا، وعلى العكس من ذلك، إذا بغى الحكام وجاروا على العباد؛ كان ذلك سببًا لقيام الثَّورات، وما يسمى اليوم بالانقلابات العسكريَّة، ولن تستقرّ الأوضاع في تلك البلاد، حتى يُهلك الشَّعب الواحد بعضه بعضًا، ويكون ذلك سببًا لفتح الطريق لأمَّةٍ أخرى لكي تستعبدها، ولا شكَّ أنَّ الإسلام جاء بكل ما فيه خير الدنيا والآخرة، ومن ذلك الأمر بالعدل، والأمر بإقامة الحدود بين الناس، حتى قال عليه الصلاة والسلام: «حدٌّ يقام في الأرض خيرٌ من مطر أربعين صباحًا»([26])، وما هذا إلا لتحقيق العدالة في المجتمع الإسلامي، فإذا افترضنا مجتمعًا إسلاميًا لا يقيم حكم الله عز وجل في الأرض، وذلك مما لا يمكن إقامته إلا على إقامة العدل بين المسلمين، فلا يمكن أن تقوم قائمة هذه الدولة؛ لأنها حين ذاك تحكم بغير ما أنزل الله، ومن حكم بغير ما أنزل الله فقد عرَّض أمته ودولته للانهيار([27]).
كما تناول الشيخ رحمه الله العدل بينَ الأولادِ جميعًا، الذكورِ والإناثِ، وذلك من وحي السُّنة، حتى في التقبيل، لحديث أنس رضي الله عنه قال :كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل، فجاء ابنٌ له فقبّله وأجلسه على فخذه، ثم جاءت بنتٌ له فأجلسها إلى جنبه، قال: «فَهَلا عَدَلْتَ بينهما ؟!»([28]).
وقال الشيخ الألباني بعد أن حكم بحسن إسناد الحديث السابق([29]):«وقد استدل به الطحاوي رحمه الله لقول أبي يوسف رحمه الله: إنه يسوِّي في العطيَّة بين الأنثى والذكر؛ خلافًا لمحمد بن الحسن رحمه الله الذي قال: بل يجعلها على قدر المواريث للذكر مثل حظ الأنثيين، فردَّه الطحاوي بما رواه بالسند الصحيح عن النعمان بن بشير: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سوُّوا بين أولادكم في العطية، كما تحبون أن يُسووا بينكم في البر»([30]).
قال أبو جعفر الطحاوي: «فيه دليلٌ على أنه أراد من الأب لولده ما يريد من ولده له، وكان ما يريد من الأنثى من البِّر مثل ما يريد من الذَّكَر، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم منه لهم من العطية للأنثى مثل ما أراد لِلذَّكَر»([31]).
ثم قال الألباني رحمه الله: «إنّ العدل المذكور بين الأولاد قد اختلفوا في حكمه؛ فمن قائلٍ بأنَّه واجبٌ، ومِنْ قائلٍ بأنَّه مستحبٌ، وهذا مذهب الحنفية، وانتصر له الطحاوي، والحقّ الوجوب، كما فصَّله الحافظ في «الفتح»؛ فليرجع إليه من شاء البسط، ويكفي للدَّلالة على ذلك أنَّ راوي الحديث ـ وهو النعمان بن بشير رضي الله عنه ـ قال في بعض الطُّرق الصحيحة عنه: «رجع أبي، فردَّ تلك الصَّدقة»، أخرجه الشيخان([32])، وهو مخرج في «الإرواء»(6/41»)([33]).
تقريره لقاعدة: «لا ضرر ولا ضرار» في شريعة الإسلام:
ذكر شيخنا حديث «لا ضرر ولا ضرار»، وفي إرواء الغليل([34])، وفي السلسلة الصحيحة([35])، وأفاض في تخريجه فيه، ومن التَّطبيقات التي ذكرها في هذه القاعدة أنه يحرم في الوصيَّة أنْ يوصي المسلم بما يضرُّ بالورثة، فقال: «ويحرم الاضرار في الوصيَّة، كأنْ يوصي بحرمان بعض الورثة من حقِّهم من الإرث، أو يفضِّل بعضهم على بعضٍ فيه، لقوله تبارك وتعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا}[النساء:7]، وفي الأخيرة منها: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}[النساء:11]، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر، من ضار ضاره الله، ومن شاق شاقه الله»([36]).
وكذا استخدمها في تطبيقات أخرى ومنها ما يتعلق بالإضرار بالبيئة وغيرها في جوابه عن حكم شرب الدخان، كما سيأتي إن شاء الله.
تقريره للرخص الشرعية:
قال تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}[المائدة:6]، وقال تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ»[المائدة:3]، وروى أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا: «إنَّ الله يحب أنْ تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته»([37]).
وقد ذكر العلامة جمال الدين القاسمي رحمه الله([38]) في كتابه «المسح على الجوربين» الذي أخرجه الشيخ الألباني واعتنى به، أنَّه: «قد يظنّ قومٌ أنَّ التَّشدُّد في العزائم ومجافاة الرُّخص من التَّقوى، وحاشا لله، كيف وقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لا تشدِّدوا على أنفسكم فيشدِّد الله عليكم، فإنَّ قومًا شدَّدوا على أنفسهم، فشدَّد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصَّوامع والدِّيار، {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ}[الحديد:27]([39])، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله تعالى يحب أن تُؤتى رخصه، كما يحبّ أن تُؤْتى عزائمُه»([40]).
وقال صلى الله عليه وسلم: «هلك المتنطعون»([41]).
نعم يوجد من خيار العباد ذوي الجدِّ والاجتهاد من لا يأخذون إلا بالعزائم، لا زهدًا في المأثور، ولا رغبةً عن المرخَّص فيها المبرور، بل تربيةً للنَّفس على الأفضل وأخذًا بها إلى الأمثل والأكمل، وهو ما يسميه الفقهاء بالاحتياط والخروج من الخلاف، إيثارًا لما يكون فيه إجماعٍ وائتلافٍ، وأصله ما صحَّ في السنَّة أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يقوم الليل حتى ترم قدماه فقيل له: أتتكلَّف هذا»([42]).
وذكر الشيخ الألباني رحمه الله([43]) أنَّ الشدة شرٌّ لا تأتي إلا بالشَّرِّ، ولذلك تكاثرت الأحاديث وتنوَّعت عباراتها في التَّحذير منها، كقوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الدين يسرٌ، ولن يشادَّ الدين أحدٌ إلا غلبه، فسدِّدوا وقاربوا…»([44])، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والغلوّ في الدِّين، فإنَّما هلك من كان قبلكم بالغلوّ في الدِّين»([45]).
وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تشدِّدوا على أنفسكم، فإنَّما هلك من قبلكم بتشديدهم على أنفسهم، وستجدون بقاياهم في الصَّوامع والدِّيارات»([46]).
وأبان الشيخ في كتبه عن الرُّخْصة في الفطر للحامل والمرضع([47])، والرخصة في المسح على الجوربين والنَّعْلين([48])، وغير ذلك مما جاءت السنة فيه.
تبيانه لنماذج من سماحة الإسلام:
إنَّ دين الإسلام دينُ سماحةٍ ويُسْرٍ، قال تعالى: {شهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة:185].
وقد ذكر الشيخ الألباني رحمه الله عدة أحاديث تدلُّ على يسر الإسلام وسماحته، منها:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الأديان أحبّ إلى الله عز وجل؟ قال: الحنيفيَّة السَّمحة»([49]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن هذا الدين يسر، ولن يشادَّ هذا الدين أحدٌ إلا غلبه، فسدِّدوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والرَّوحة وشيءٍ من الدّلجة»([50]).
ومن وحي هذه النَّصوص الشَّرعيَّة كان الشيخ يحثُّ على التَّيسير على العامَّة، وقد قال في كتابه: «مناسك الحج والعمرة»: «ومما ينبغي على الدَّاعية أن يلتزمه التَّيسير على النَّاس عامَّة، وعلى الحجُّاج خاصَّةً؛ لأنَّ التَّيسير أصلٌ من أصول الشريعة السَّمحة، كما هو معلومٌ. ما دام أنه لا نصَّ على خلافه، فإذا جاء النَّصَّ لم يجز التَّيسير بالرَّأي، وهذا هو الموقف الوسط العدْل الذي يجب على كل داعية أن يلتزمه، ولا عبرة بعد ذلك بأقوال النَّاس واعتراضاتهم، وقولهم: شدد أو سهل ؟».
كما بيَّن الشيخ رحمه الله أنَّ إعمال العقل في أمور الدنيا وأخذ علومها من الأمم الأخرى أمرٌ مطلوبٌ بضوابط، فقال عندما سئل عن أخذ العلوم الدنيوية من غير المسلمين:
إنَّ العلوم المختلفة عامَّةٌ شاملةٌ لدى الأمم الأخرى، ولا يمكن أن نهمل أو نطرح ما يأتي به الأجانب وغير المسلمين من تقدُّمٍ علميٍّ، أو تفوُّق حضاريّ في بعض العصور؛ لأنَّ العلم الدنيوي غير خاصٍّ بالمسلمين، والعقل الإنساني يعمل، والأمم الأخرى تعمل وتنهض، والحضارة والتَّقدُّم العلميَّ الدنيويّ كما يقال: متداول بين الأمم، فيومٌ يكون الحكم لهذه الأمة ويوم لتلك، وهي جميعًا تسير وتعمل وتبني هذه الحضارة المادية، في ناحية العلم لم يحرج علينا ربنا سبحانه وتعالى أن نأخذ عنهم العلم الدنيويّ المحض الصناعيّ الذي يفيد، مثلًا: علم الزراعة، وعلم الكيمياء، وعلم الفيزياء، والفلك، ولكن شريطة ألا يخالف شيءٌ من هذه العلوم ومن هذه المبتكرات ما جاءنا به الإسلام الحنيف؛ لأنَّ هناك من مبتكرات العلم ومن نظرياته أمورًا قد نجدها تخالف الإسلام فلا يجوز أن نقبلها؛ لأن الإسلام حقٌّ لا يتطرَّق إليه الرّيب والشك، أمَّا هذه العلوم فهي من فعل بشرٍ، وهي من صفات أناسٍ يحتملون الخطأ والصواب، ولا يخلون من أغراض ومن أهواء، فلذلك إذا اصطدم النَّصُّ الشَّرعيُّ الواضح الصريح القطعيّ بنظريَّةٍ علميَّةٍ، أو أفكارٍ خبيثةٍ فيجب أن تكون ثقتنا بما جاء عن الله ورسوله لا غير، فيجب أن نقدمهم على هذه الأمور التي تأتينا من آخرين.
ثم قال: لا حرج من قبول هذه العلوم بهذا الشَّكل، وعمدتنا في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور الذي هو حديث تأبير النَّخل، وخلاصته([51]) أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء المدينة وجد أهل المدينة يؤبرون النخل، فسألهم عما يفعلون، فقالوا: شيءٌ اعتدنا عليه، فقال: لو لم تفعلوا لكان خيرًا، فتركوه، فنقصت ثمرته، فأخبروا النَّبيّ صلى الله عليه وسلم بذلك فيما بعد فقال: إذا حدثتكم عن أمرٍ من أمور دينكم فخذوا به، وإذا حدثتكم عن أمرٍ من أمور دنياكم فأنتم أعلم بأمور دنياكم.
أو كما قال عليه الصلاة والسلام([52]).
إذًا: هناك أمران من الأمور: أمورٌ دينيَّةٌ تتضمَّن العقائد، والأخلاق، والأفكار، والتَّصورات، والقيم، والثَّقافة، والأدب، فهذه يجب ألا نقبلها إلا عن طريق كتابنا، ولا نأخذها إلا من طريق الوحي الصادق الصحيح الذي جاء به عليه الصلاة والسلام.
وهناك أمورٌ دنيويةٌ بحتةٌ واجتماعيَّةٌ وعلميَّةٌ، فيجوز أن نأخذها منهم، بل يجب، لكن بالشَّرط السَّابق ألا نأخذ ما يخالف ما جاءنا به الوحي الصادق، وعن طريق خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام([53]).
تحذيره من الافتراق:
لقد حث الإسلام على الوحدة والاجتماع، فقال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}[آل عمران:103]؛ وذلك لما يعود على الأمة من الفرقة والاختلاف من ضعفٍ وهوانٍ، كما قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}[الأنفال:47].
والخلاف واقعٌ في الأمة، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فِرْقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقةً، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فِرقةً، كلّها في النَّار إلا واحدةً »([54]).
ومن رحمة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بأمَّته أنْ أرشدهم إلى المخرج، وسبيل النَّجاة عند الافتراق، إذ روى العِرْباض بن سارِيَةَ رضي الله عنه قال: صلَّى بنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ذاتَ يومٍ، ثم أَقْبَلَ علينا فوَعَظَنا مَوْعِظَةً بليغةً، ذَرَفَتْ منها العيونُ ووَجِلَتْ منها القلوبُ، فقال قائلٌ: يا رسولَ اللهِ كأنها موعِظَةُ مُوَدِّعٍ! فماذا تعْهَدُ إلينا؟ فقال: «أُوصيكُم بتقْوى اللهِ، والسَّمعِ والطاعةِ، وإِنْ كان عَبْدًا حَبَشِيًّا، فإنه منْ يَعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكُمْ بسُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاء المَهْدِيِّين الراشِدينَ؛ تمسَّكوا بها وعَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ وإياكم ومُحْدَثاتِ الأمورِ، فإن كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ»([55]).
وأخرجه الإمام أحمد أيضًا، وزاد في حديثه: «فقد تركتكم على البيضاء ليلُها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالكٌ»([56]) وهي زيادةٌ ثابتةٌ صحيحةٌ.
ومن رحمة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وشفقته على أمَّته أنَّه لما أخبر عن الافتراق، وأنَّه واقعٌ لا محالة، لم يترك النَّاس حيارى، فأخرجهم من هذه الحيرة وأرشدهم صلى الله عليه وسلم إلى الخلاص وإلى المخرج من هذه الفتنة، فقال صلى الله عليه وسلم بعدما قال ما قال: «وإنَّه من يَعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا»، وقال صلى الله عليه وسلم: «فعليكم بسنَّتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضُّوا عليها بالنواجذ»، فالتمسكُ بالكتاب والسُّنَّة هو المخرجُ من الاختلافِ، ومن الفرقة ومن التنازع.
ولقد أكَّد العلامة الألباني على التَّمسُّك بالسُّنَّة والاعتصام كثيرًا في كتبه ودعوته، كما حذَّر من العصبية المذهبية التي يصاحبها التَّفرُّق، وتكلَّم على حديث «اختلاف أمتي رحمة»، وأبان أنه لا أصل له([57])، وأنَّ معناه مستنكرٌ عند المحقِّقين من العلماء، وأنه مخالفٌ للقرآن الكريم، لما فيه من الآيات التي تنهى عن الاختلاف في الدين، وتأمر بالاتفاق فيه، وأنها أشهر من أن تُذكر، وذكر منها قول الله تعالى: { وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}[الأنفال: 46]، وقوله تعالى: { وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}[الروم:31ـ32]. وقوله عز وجل: { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ}[هود:118ـ119].
ثم قال: «فإذا كان من رحم ربك لا يختلفون، وإنما يختلف أهل الباطل؛ فكيف يعقل أن يكون الاختلاف رحمة ؟! فثبت أن هذا الحديث لا يصحّ؛ لا سندًا ولا متنًا، وحينئذ يتبيَّن بوضوحٍ أنه لا يجوز اتخاذه شبهة للتوقف عن العمل بالكتاب والسنة، الذي أمر به الأئمة»([58]).
كما نقل عن ابن حزم رحمه الله([59]) بعد أن أشار إلى أنه ليس بحديث: وهذا من أفسد قول يكون، لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتِّفاق سخطًا، وهذا ما لا يقوله مسلمٌ، لأنَّه ليس إلا اتِّفاقٌ أو اختلافٌ، وليس إلا رحمةٌ أو سخط.
وانتقد الألباني بحزم جهل بعض المتأخرين الذين جعلوا المذاهب على اختلافها كشرائع متعددة! حيث جعلوا كثيرًا من المساجد فيها أربعة محاريب، يصلِّى فيها أربعة من الأئمة([60])! ولكلٍّ منهم جماعةٌ ينتظرون الصَّلاة مع إمامهم، كأنهم أصحاب أديان مختلفةٍ! وكيف لا وعالمهم يقول: إنَّ مذاهبهم كشرائع متعددة! يفعلون ذلك وهم يعلمون قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أقيمت الصَّلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»([61])، ولكنهم يستجيزون مخالفة هذا الحديث وغيره محافظة منهم على المذهب، كأن المذهب معظمٌ عندهم، ومحفوظٌ أكثر من أحاديثه عليه الصلاة والسلام !
وذكر الشيخ رحمه الله أنَّ الاختلاف مذمومٌ في الشريعة، فالواجب محاولة التخلص منه ما أمكن، لأنه من أسباب ضعف الأمة، كما قال تعالى: { وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}[الأنفال:46]، أمَّا الرِّضا به وتسميته رحمة فخلاف الآيات الكريمة المصرِّحة بذمِّه، ولا مستند له إلا هذا الحديث الذي لا أصل له عن رسول صلى الله عليه وسلم.
ونقل عن المُزَني صاحب الإمام الشَّافعي رحمهما الله: «وقد اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فخطَّأ بعضهم بعضًا، ونظر بعضهم في أقاويل بعضٍ وتعقَّبها، ولو كان قولهم كلّه صوابًا عندهم؛ لما فعلوا ذلك، وغضب عمر بن الخطاب من اختلاف أبيِّ بن كعب وابن مسعود في الصَّلاة في الثوب الواحد؛ إذ قال أبيّ: إنَّ الصَّلاة في الثَّوب الواحد حسنٌ جميلٌ. وقال ابن مسعود: إنَّما كان ذلك والثياب قليلة. فخرج عمر مغضبًا، فقال: اختلف رجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن ينظر إليه، ويؤخذ عنه! وقد صدق أُبَيّ، ولم يأل ابن مسعود، ولكني لا أسمع أحدًا يختلف فيه بعد مقامي هذا؛ إلا فعلت به كذا وكذا»([62]).
وذكر الشيخ أنَّ الصحابة رضي الله عنهم كانوا ينكرون الاختلاف، ويفرون منه ما وجدوا إلى ذلك سبيلًا، وأنَّ الصحابة رضي الله عنهم مع اختلافهم المعروف في الفروع ـ كانوا محافظين أشدَّ المحافظة على مظهر الوِحْدة، بعيدين كلَّ البُعْد عما يفرِّق الكلمة، ويصدع الصُّفوف؛ فقد كان فيهم ـ مثلًا ـ من يرى مشروعيَّة الجهر بالبسملة، ومن يرى عدم مشروعيَّته، وكان فيهم من يرى استحباب رفع اليدين، ومن لا يراه، وفيهم من يرى نقض الوضوء بمسِّ المرأة، ومن لا يراه؛ ومع ذلك فقد كانوا يصلُّون جميعًا وراء إمامٍ واحدٍ، ولا يستنكف أحد منهم عن الصلاة وراء الإمام لخلافٍ([63]).
كما حذر الشيخ من العصبية المعاصرة للأحزاب والجماعات إذ سمعته في أحد مجالسه يقول ما معناه: وإن كانت العصبية المذهبية ذهبت أو لم توجد في بعض هؤلاء، فقد حلَّ محلها عصبية عصرية أخرى آلا وهي العصبية للأحزاب والجماعات.
المبحث الثاني
تبيانه لمعالم عدة في عظمة الإسلام وأخلاقياته
لقد أبان شيخنا الألباني رحمه الله عن جوانب عدة من عظمة الإسلام وأخلاقياته ومن ذلك:
تبيانه لإكرام الإسلام للمرأة:
لقد أكرم الإسلام المرأة أيّما إكرامٍ، بل لم تحظَّ في دين من الأديان، ولا في زمنٍ من الأزمان مثل ما حظيتْ به في دين الإسلام، وسنَّة نبيِّ الرَّحمة صلى الله عليه وسلم.
ولقد اعتنى العلامة الألباني رحمه الله بإبراز مكانة المرأة في الإسلام من خلال القول والعمل، بتدريسه للنَّساء لكتاب «الأدب المفرد»، للإمام البخاري، في دروس خاصَّةٍ لهنَّ، وهذا أسوةٌ برسول الله صلى الله عليه وسلم، لما روى البخاريّ([64]) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: قالت النساء للنبي صلى الله عليه وسلم: غلبنا عليك الرِّجال، فاجعل لنا يومًا من نفسك، فوعدهن يومًا لقيهن فيه، فوعظهن وأمرهن، فكان فيما قال لهن: ما منكن امرأةٌ تقدِّم ثلاثةً من ولدها إلا كان لها حجابًا من النار، فقالت امرأة: واثنين؟ فقال: واثنين. ولهذا بوَّب البخاري بباب: (هل يجعل للنساء يومٌ على حدةٍ في العلم).
كما صنَّف الشيخ كتابًا في «آداب الزفاف»، وصنَّف كتاب «جلباب المرأة المسلمة»، وحقق كتاب «المرأةُ المسلمة» لحسن البَنَّا.
ويؤكد الشيخ أنَّ المرأة في الحقوق في دين الإسلام كالرجل ولا فرق، إلا ما خصّه الشارع الحكيم فيقول: « الأصل أن كل ما يجب للذكور وجب للإناث، وما يجوز لهم جاز لهن ولا فرق، كما يشير إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : «إنما النساء شقائق الرجال»، رواه الدارمي وغيره([65])، فلا يجوز التفريق إلا بنص يدل عليه.
وعلَّق على كتاب «حقوق النساء في الإسلام، وحظهن من الإصلاح المحمدي العام»، للشيخ محمد رشيد رضا.
وهذا الكتاب له أهمية كبيرة لأنه تناول في وقته حالة النساء قبل البعثة المحمدية، وما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الإصلاح بها، ويبين حقوق النساء في التعليم والتأديب، وأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يحثّ أصحابه على تعلم الكتابة، وقد أمر الله بها في آية الدين، وقد ثبت([66]) من عدَّة طرق أنَّ الشفاء بنت عبد الله المهاجرة القرشية العدوية علَّمتْ حفصة بنت عمر أم المؤمنين الكتابة.
وأثبت الشيخ رشيد رضا أنَّ الإصلاح الذي جاء به الإسلام في شأن المرأة لا يساويه دين آخر ولا مصلح آخر، حتى نستطيع أن نقول بأنَّ نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم هو مصلح النساء الأعظم، والخير كلّ الخير في الاهتداء بالإصلاح الإسلامي التام.
ولقد حرَّر الشيخ الألبانيّ مسالة تعليم النِّساء الكتابة تحريرًا أكَّد فيه على حقهنَّ في ذلك؛ لأنهن شقائق الرِّجال، عندما ذكر حديث: «ارقيه، وعلِّميها حفصة، كما علمتيها الكتاب»، وفي رواية: «الكتابة»([67]) في «السلسلة الصحيحة» عندما قال: «في الحديث فوائد كثيرة أهمها اثنتان:
الأولى: مشروعية ترقية المرء لغيره بما لا شرك فيه من الرقى، بخلاف طلب الرُّقية من غيره فهو مكروهٌ لحديث: «سبقك بها عكاشة»، وهو معروفٌ مشهورٌ.
والأخرى: مشروعية تعليم المرأة الكتابة. ومن أبواب البخاري في «الأدب المفرد»([68]): «باب الكتابة إلى النساء و جوابهن».
ثم روى بسنده الصحيح عن موسى بن عبد الله قال: «حدثتنا عائشة بنت طلحة قالت: قلت لعائشة، وأنا في حجرها، وكان الناس يأتونها من كل مصر، فكان الشيوخ ينتابوني لمكاني منها، وكان الشباب يتأخوني فيهدون إلي، ويكتبون إلي من الأمصار، فأقول لعائشة: يا خالة هذا كتاب فلان وهديته. فتقول لي عائشة أي بنية ! فأجيبيه وأثيبيه، فإن لم يكن عندك ثواب أعطيتك، قالت: فتعطيني!».
ثم قال: «والحقَّ أنَّ الكتابة والقراءة نعمةٌ من نعم الله تبارك وتعالى على البشر، كما يشير إلى ذلك قوله عزَّ وجلّ: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق:3ـ5]، وهي كسائر النِّعم التي امتنَّ الله بها عليهم، وأراد منهم استعمالها في طاعته، فإذا وجد فيهم من يستعملها في غير مرضاته، فليس ذلك بالذي يخرجها عن كونها نعمة من نعمه، كنعمة البصر والسمع والكلام وغيرها، فكذلك الكتابة والقراءة، فلا ينبغي للآباء أن يحرموا بناتهم من تعلمها، شريطة العناية بتربيتهن على الأخلاق الإسلامية، كما هو الواجب عليهم بالنسبة لأولادهم الذكور أيضًا، فلا فرق في هذا بين الذكور والإناث.
والأصل في ذلك أنَّ كل ما يجب للذكور وجب للإناث، وما يجوز لهم جاز لهن ولا فرق، كما يشير إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّما النِّساء شقائق الرِّجال»([69])، رواه الدَّارمي وغيره. فلا يجوز التَّفريق إلا بنصٍّ يدلُّ عليه، وهو مفقودٌ فيما نحن فيه، بل النَّصُّ على خلافه، وعلى وفق الأصل، وهو هذا الحديث الصحيح، فتشبَّث به، ولا ترض به بديلًا، ولا تُصْغِ إلى من قال :ما للنساء وللكتابة والعمالة والخطابة، هذا لنا ولهنَّ منا أنْ يبتن على جنابة !فإنَّ فيه هضْمًا لحقِّ النساء وتحقيرًا لهن، وهنَّ كما عرفت شقائق الرجال، نسأل الله تعالى أن يرزقنا الإنصاف والاعتدال في الأمور كلها.
كما أنَّ من الرَّحمة بالنِّساء التَّوسعة عليهن في الزَّواج والعيدين إقراره أهله على سماع الغناء المباح من الجارية يوم العيد، والنَّظر إلى اللهو المباح:
يدلُّ على ذلك ما صحَّ عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ؛ فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي، وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم! فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «دَعْهُمَا». فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا، قَالَتْ: وَكَانَ يَوْمُ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَإِمَّا قَالَ: «تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ». فَقَالَتْ: نَعَمْ. فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ خَدِّي عَلَى خَدِّهِ، وَيَقُولُ: «دُونَكُمْ بَنِي أَرْفدَةَ». حَتَّى إِذَا مَللْتُ قَالَ: «حَسْبُكِ!». قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «فَاذْهَبِي»([70]).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «وفي الحديث جواز النَّظَر إلى اللَّهو المباح، وفيه حُسْن خلقه صلى الله عليه وسلم مع أهله، وكرم معاشرته»([71]).
عناية الإسلام بالأطفال:
لقد حرصت شريعة الإسلام ونبيّ الرَّحمة صلى الله عليه وسلم على شؤون الطِّفل، منذ ولادته بل قبل ذلك، من حين اختيار كلٍّ من الزَّوجين للآخر، فعن أبي حاتم المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ»، قالوا: يا رسول الله! وإنْ كان فيه ؟ قال: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، ثلاث مراتٍ([72]).
وعن أبى هريرة رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «تنكح المرأة لأربعٍ، لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدِّين تَربِتْ يداك»([73])، إذ ْهما الأصل في الذُّريَّة وتوجيهها، وقد صنَّف الشَّيخ كتابًا خاصًّا في «آداب الزفاف»، وما يتعلَّق بالعروسين، وحقوق كلٍّ منهما على الآخر، والآداب المتعلِّقة بهما، وهذا من رحمة الشَّرْع فيهما، بأنْ يعرف المرء حدود واجباته، ولا يكلّف فوقها.
وإنَّ مِنْ عناية الإسلام بالمولود أنْ شرع العقيقة عنه، لما في حديث سمرة رضي الله عنه أنَّ نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «كلُّ غلامٍ مرتهنٌ بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويماط عنه الأذى ويسمَّى»([74])، وكان ابن سيرين يقول: «إنْ لم يكن إماطة الأذى حلْق الرأس فلا أدري ما هو؟ »([75]).
ويأمر الإسلام بالعدل بين الأطفال جميعًا، الذكورِ والإناثِ لأنَّ العدل أساس الرَّحمة، وقد قال صلى الله عليه وسلم كما في حديث النُّعمان بن بشير :«اعدلوا بين أولادكم، اعدلوا بين أولادكم، اعدلوا بين أولادكم»([76])، وقال الألباني رحمه الله: «إنّ العدل المذكور بين الأولاد واجبٌ».
ومِن رحمة الإسلام بالأطفال أنه عند بكائهم في صلاة الجماعة في المسجد، يخفف نبيّ الرَّحمة صلى الله عليه وسلم صلاته لأجلهم، كما في الصحيح عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه: «جوَّز صلى الله عليه وسلم([77]) ذات يومٍ في الفجر (وفي حديث آخر: صلى الصبح، فقرأ بأقصر سورتين في القرآن)، فقيل: يا رسول الله! لم جوَّزت ؟ قال: «سمعت بكاء صبيٍّ(2)، فظننت أنَّ أمَّه معنا تصلِّي؛ فأردت أنْ أُفْرغ له أمَّه».
وما لا شكَّ فيه أنَّ اصطحاب الأطفال للمساجد ومجالس الذكر والعلم مما يستفيد منه الطِّفل، ويتأثَّر الطِّفل الصَّغير، ولو في المهد، بما يسمع ويرى، وهذا يؤيِّده علماء النَّفس الحديث، وأمَّا كبار الأطفال فتأثُّرهم بذلك واضحٌ مسلَّمٌ([78]).
يقول العلامة الألباني في هذا الحديث وأمثاله: «جوازُ إدخال الصِّبيان المساجد، وأمَّا الحديث المتداول على الألسنة: «جنِّبوا مساجدَكم صبيانكم…»، الحديث فضعيفٌ، لا يحتجُّ به اتِّفاقًا. وممن ضعَّفه ابن الجوزي، والمنذري، والهيثمي، والحافظ ابن حجر العسقلاني، والبوصيري، وقال عبد الحقِّ الإشبيلي: «لا أصل له»([79]).
ومن حرص الألباني رحمه الله على العناية بتربية الأطفال تحقيقه لرسالة «لفتة الكبد في نصيحة الولد»، للإمام ابن الجوزي، وهي رسالةٌ بديعةٌ يوصي فيها ابن الجوزي ولده بالحرص على طلب العلم، ومما لا شكَّ فيه أنَّ من الرَّحمة بالأمة وبالابن تعليمه، ودلالته على الأخلاق، وينابيع الخير وطرق الهداية.
الحث على مكارم الأخلاق والتَّحذير من مساوئ الأخلاق:
لقد تجلَّت هذه المعالم لدى شيخنا رحمه الله من خلال الأحاديث المتعددة الدالة على مكارم الأخلاق وفضائلها، وفي التَّحذير من مساوئ الأخلاق ورذائلها، ولعلَّ من أجمع الكتب التي اعتنى بها الألباني في ذلك كتاب «الأدب المفرد»، للإمام البخاري رحمه الله، حيث تولَّى الألباني شرحه، وكتاب: «الشَّمائل المحمديَّة»، للإمام الترمذي الذي تولَّى اختصاره وتهذيبه، وهذه بعض الجوانب مما أبرزها الشيخ رحمه الله في ذلك:
تقرير الأخوة الإسلاميَّة ونبذ العصبيَّة القوميَّة.
لقد رفع الإسلام من شأن كرامة الإنسان وحقوقه، وحضَّ كلَّ إنسانٍ أنْ يتخلَّق بأخلاقٍ حميدةٍ، وأنْ يتجنَّب من الأخلاق السََّيئة، وفيها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ مِنْ خياركم أحسنكم أخلاقًا»([80])، وقال أيضًا: «بعثت لأتمِّم حُسْن الأخلاق»([81])، وقال أيضًا: «الرَّاحمون يرحمهم الرَّحمن، ارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السَّماء»([82]).
ولإخوة الإسلام منزلةٌ خاصَّةٌ، ذكر الشَّيخ طائفةً منها: قوله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضْوٌ تداعى له سائر الجسد بالسَّهر والحمَّى»([83]).
وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحب لنفسه»([84])، وقوله: «المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشدُّ بعضه بعضًا، ثم شبَّك بين أصابعه»([85]).
ولما ذكر الشيخ رحمه الله حديث جابر رضي الله عنه الذي كان في حجَّة الوداع، وفيه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا أيها الناس إنَّ ربَّكم واحدٌ، وإنَّ أباكم واحدٌ، ألا لا فضل لعربيٍّ على عجميٍ، ولا عجميّ على عربيٍّ، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتَّقوى، {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}، ألا هل بلَّغت؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: فيبلِّغ الشَّاهدُ الغائب»([86]). ثم قال: «وهذا الحديث من النُّصوص الدَّالة على نظرة الإسلام إلى النَّاس عمومًا، بأنْ لا فرق بينهم ولا مفاضلة، وهذا نابعٌ من قوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}، مهما تباعدت اللغات وتباينت الألوان، لأنَّ المعيار الحقَّ إنما يكون في تقوى الله عزَّ وجل».
كما أبان الشيخ الألباني([87]) أنَّ الإسلام لا يرتبط عزُّه بالعرب فقط، بل قد يعزّه الله بغيرهم من المؤمنين. وأنَّه لا تنافي أن يكون جنس العرب أفضل من جنس سائر الأمم، بل إنَّ أفضلية جنس العرب هو الذي عليه أهل السُّنَّة والجماعة، ويدل عليه مجموعةٌ من الأحاديث، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله اصطفى من ولد إبراهيم، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم»([88]).
ثم قال: «لكنه ينبغي ألا يحمل العربيّ على الافتخار بجنسه، لأنَّه من أمور الجاهلية التي أبطلها نبينا محمد العربي صلى الله عليه وسلم على ما سبق بيانه، كما ينبغي أن لا نجهل السبب الذي به استحق العرب الأفضلية، وهو ما اختصوا به في عقولهم وألسنتهم وأخلاقهم وأعمالهم، الأمر الذي أهَّلهم لأن يكونوا حملة الدعوة الإسلامية إلى الأمم الأخرى، فإنَّه إذا عرف العربي هذا وحافظ عليه أمكنه أن يكون مثل سلفه عضوًا صالحًا في حمل الدَّعوة الإسلامية، أما إذا تجرَّد من ذلك فليس له من الفضل شيءٌ، بل الأعجمي الذي تخلَّق بالأخلاق الإسلامية هو خير منه دون شك ولا ريب، إذ الفضل الحقيقيّ إنما هو اتِّباع ما بعث به محمد صلى الله عليه وسلم من الإيمان والعلم، فكلّ من كان فيه أمكن كان أفضل، والفضل إنّما هو بالأسماء المحدَّدة في الكتاب والسنة، مثل الإسلام والإيمان والبر والتقوى والعلم، والعمل الصالح والإحسان ونحو ذلك، لا بمجرد كون الإنسان عربيًا أو أعجميًا، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وإلى هذا أشار صلى الله عليه وسلم بقوله: «من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه»([89]).
حثُّ الإسلام على السَّماحة الماليَّة:
إنَّ دين الإسلام دين السماحة واليُسْر، ومن ذلك حثّه على السَّماحة في المعاملات الماليَّة، وقد ذكر في ذلك أحاديث منها: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رحم الله عبدًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى»([90]).
وعنه أيضًا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «غفر الله لرجلٍ كان قبلكم، كان سهلًا إذا باع سهلًا إذا اشترى سهلًا إذا اقتضى»([91]).
ولقد ذكر الشيخ الألبانيُّ من الأحاديث النَّبويَّة في إنظار المعسر، مثل حديث بريدة رضي الله عنه: «من أنظر معسرًا فله بكلِّ يومٍ صدقةٌ، قبل أنْ يحلّ الدَّيْن، فإذا حلَّ الدَّيْن فأنظره، فله بكلِّ يومٍ مثليْه صدقةٌ»([92]).
وذهب الشيخ رحمه الله في مسألة البيع بالتَّقسيط، مع الزِّيادة على سعر النَّقْد، وهي من المسائل التي اختلف أهل الاجتهاد فيها إلى تحريمه، مستدلًا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه: «من باع بيعتين في بيعةٍ، فله أوكسهما أو الرِّبا»([93]).
قائلًا: «هذا ما بدا لي من طريقة الجمع بين الأحاديث والتَّفقه فيها، وما اخترته من أقوال العلماء حولها، فإنْ أصبتُ فمن الله، وإنْ أخطأتُ فمن نفسي، والله أسأل أنْ يغفره لي، وكلَّ ذنبٍ لي».
ثم قال: «واعلم أخي المسلم! أنَّ هذه المعاملة التي فشت بين التُّجار اليوم، وهي بيع التقسيط، وأخذ الزِّيادة مقابل الأجل، وكلَّما طال الأجل زيد في الزِّيادة، إنْ هي إلا معاملةٌ غير شرعيَّةٍ من جهةٍ أخرى؛ لمنافاتها لروح الإسلام القائم على التَّيسير على النَّاس والرَّأفة بهم، والتَّخفيف عنهم، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله عبدًا سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا اقتضى»([94])، وقوله: «من كان هيِّنًا، ليِّنًا، قريبًا حرَّمه الله على النَّار»([95]).
فلو أنَّ أحدهم اتَّقى الله تعالى، وباع بالدَّين أو بالتَّقسيط بسعر النَّقد، لكان أربح له، حتى من النَّاحية الماديَّة؛ لأنَّ ذلك مما يجعل النَّاس يقبلون عليه، ويشترون من عنده، ويبارَك له في رزقه، مصداق قوله عزَّ وجلَّ: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}[الطلاق:2ـ3].
إبرازه أن الإسلام هو الذي وضع للنَّاس مبدأ الرفق بالحيوان:
إنَّ رحمة الإسلام عمَّت الحيوان أيضًا، وفي ذلك نصوص عديدة، ولقد جلَّى الشيخ رحمه الله معالم رحمة الإسلام بالحيوان وضرورة الرِّفق به، وأبان أنَّ الإسلام هو الذي وضع للنَّاس مبدأ الرِّفق بالحيوان، خلافًا لما يظنّه بعض الجُهَّال بالإسلام أنَّه من وضع الكفار الأوربِّيين.
وذكر رحمه الله من الأحاديث حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينما كلبٌ يطيف بركيَّةٍ، قد كاد يقتله العطش، إذ رأته بغيٌّ من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها، فاستقتْ له به، فسقته إياه، فغفر لها به»([96]).
وحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عُذِّبت امرأة في هرةٍ سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النَّار، لا هي أطعمتها وسقتها، إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض»([97]).
و«خشاش الأرض»، هي الحشرات والهوام.
وعن معاوية بن قرة عن أبيه رضي الله عنه أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها، أو قال: إني لأرحم الشاة إن أذبحها، فقال : «والشاة إنْ رحمتها رحمك الله»([98]).
ثم ساق عددًا من الآثار في الرفق بالحيوان وهي:
عن المسيب بن دارم قال: رأيت عمر بن الخطاب ضرب جمالًا، وقال: لم تحمل على بعيرك مالا يطيق ؟! ([99]).
وعن عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب أنَّ رجلًا حدَّ شفرة وأخذ شاة ليذبحها، فضربه عمر بالدرة وقال: أتعذِّب الرُّوح ؟! ألا فعلت هذا قبل أن تأخذها؟! ([100]).
وعن محمد بن سيرين: أن عمر رضي الله عنه رأى رجلًا يجرُّ شاةً ليذبحها فضربه بالدرة وقال: سقها ـ لا أم لك ـ إلى الموت سوقًا جميلًا([101]).
وعن وهب بن كيسان: أنَّ ابن عمر رضي الله عنه رأى راعي غنمٍ في مكان قبيح، وقد رأى ابن عمر مكانًا أمثل منه، فقال ابن عمر: ويحك يا راعي حولها، فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كلُّ راعٍ مسؤولٌ عن رعيَّته»([102]).
وعن معاوية بن قرة قال: كان لأبي الدرداء جمل يقال له: (دمون)، فكان إذا استعاروه منه قال: لا تحملوا عليه إلا كذا وكذا، فإنه لا يطيق أكثر من ذلك، فلما حضرته الوفاة قال: يا دمون لا تخاصمني غداَ عند ربي، فإني لم أكن أحمل عليك إلا ما تطيق([103]).
وعن أبي عثمان الثَّقَفي قال: كان لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه غلامٌ يعمل على بغْلٍ له، يأتيه بدرهمٍ كلَّ يومٍ، فجاء يومًا بدرهم ونصفٍ، فقال: أما بدا لك؟ قال: نفقت السُّوق، قال: لا، ولكنك أتعبتَ البغل! أجمه ثلاثة أيام([104]).
ثم قال الشيخ الألباني رحمه الله: «تلك هي بعض الآثار التي وقفتُ عليها حتى الآن، وهي تدلُّ على مبلغ تأثُّر المسلمين الأوّلين بتوجيهات النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في الرفق بالحيوان، وهي في الحقيقة قل من جلّ ونقطةٌ من بحرٍ، وفي ذلك بيانٌ واضحٌ أنَّ الإسلام هو الذي وضع للنَّاس مبدأ الرِّفق بالحيوان، خلافًا لما يظنُّه بعض الجهَّال بالإسلام أنَّه من وضْع الكفار الأوربيِّين، بل ذلك من الآداب التي تلقوها عن المسلمين الأوَّلين، ثم توسَّعوا فيها، ونظَّموها تنظيمًا دقيقًا، وتبنَّتها دولهم، حتى صار الرِّفق بالحيوان من مزاياهم اليوم، حتى توهم الجُهَّال أنَّه من خصوصيَّاتهم! وغرَّهم في ذلك أنَّه لا يكاد يُرى هذا النِّظام مطبَّقًا في دولةٍ من دول الإسلام، وكانوا هُمْ أحقَّ بها وأهلها!
وقد روى البخاري وغيره عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قصةً ذكرها لأصحابه عن رجلٍ سقى كلبًا عطشًا، فغفر الله له. فقالوا: «يا رسول الله وإنَّ لنا في البهائم أجرًا ؟ قال: «في كلِّ كبدٍ رطبةٍ أجرٌ»([105]).
وتتناول الرَّحمة بالحيوان أمورًا منها ما رواه مسلم عن شداد بن أوس قال: ثنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الله كتب الإحسان على كل شيءٍ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته»([106]).
إبرازه عناية الإسلام بالزراعة والثروة النباتية:
لقد عني الإسلام بالثَّروة النَّباتيَّة؛ وذلك لأنَّها مما تقوم به الحياة، وهذا من الرَّحمة بالإنسان، إذ مهَّدت له ما يحتاجه من طعامٍ ونباتاتٍ وفواكه، وظلٍّ ظليلٍ، ونقاءة جوٍّ، وغير ذلك، كما كانت الغذاء للحيوان، وفي الحديث عن أنس رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال :« إنْ قامت السَّاعة وفي يد أحدكم فسيلةٌ، فإنِ استطاع أنْ لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها»([107]).
وقد ذكر الشيخ الألباني رحمه الله عددًا من الأحاديث في ذلك في مطلع السِّلسلة الصحيحة، وكونه اعتنى بها في مطلع كتابه إبرازٌ لأهميتها وقد عنون لها: (حض الإسلام على استثمار الأرض وزرعها)، ومما قاله في ذلك: «ولا أدلَّ على الحضِّ على الاستثمار من هذه الأحاديث الكريمة، لاسيما الحديث الأخير منها فإنَّ فيه ترغيبًا عظيمًا على اغتنام آخر فرصةٍ من الحياة، في سبيل زرع ما ينتفع به النَّاس بعد موته، فيجري له أجره، وتكتب له صدقته إلى يوم القيامة، وقد ترجم الإمام البخاريُّ لهذا الحديث بقوله: (باب اصطناع المال)، ثم روى عن الحارث بن لقيط قال: كان الرجل منَّا تنتج فرسه فينحرها، فيقول: أنا أعيش حتى أركب هذه ؟ فجاءنا كتاب عمر: أنْ أصلحوا ما رزقكم الله، فإنََّ في الأمر تنفسًا([108]).
وروى أيضًا بسندٍ صحيحٍ عن داود قال: قال لي عبد الله بن سلام: إنْ سمعت بالدَّجال قد خرج وأنت على ودية تغرسها، فلا تعجل أنْ تصلحه، فإنَّ للنَّاس بعد ذلك عيشًا.
داود هذا هو ابن أبي داود الأنصاري قال الحافظفيه: (مقبول).
وروى ابن جرير عن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي: ما يمنعك أن تغرس أرضك ؟ فقال له أبي: أنا شيخٌ كبيرٌ، أموت غدًا، فقال له عمر: أعزم عليك لتغرسنها ؟. فلقد رأيت عمر بن الخطاب يغرسها بيده مع أبي.
كذا في «الجامع الكبير»، للسيوطي([109]).
ولذلك اعتبر بعض الصحابة الرَّجل يعمل في إصلاح أرضه عاملًا من عمال الله عز وجل، فروى البخاري في «الأدب المفرد»([110]) عن نافع بن عاصم أنه سمع عبد الله بن عمرو قال لابن أخٍ له خرج من (الوهط): أيعمل عُمَّالك؟ قال: لا أدري، قال: أما لو كنت ثقفيًّا لعلمت ما يعمل عمالك، ثم التفت إلينا فقال :«إنَّ الرجل إذا عمل مع عُمَّاله في داره (وقال الراوي مرةً: في ماله) كان عاملًا من عُمَّال الله عز وجل. وسنده حسن إن شاء الله تعالى.
و(الوهط) في اللغة: هو البستان، وهي أرضٌ عظيمةٌ، كانت لعمرو بن العاص بالطائف على ثلاثة أميال، من (وج) يبدو أنه خلفها لأولاده.
وقد روى ابن عساكر في «تاريخه»([111]) بسندٍ صحيحٍ عن عمرو بن دينار قال: دخل عمرو بن العاص في حائطٍ له بالطائف، يقال له: (الوهط) (فيه) ألف ألف خشبة، اشترى كلَّ خشبةٍ بدرهمٍ! يعني يقيم بها الأعناب.
هذه بعض ما أثمرته تلك الأحاديث في جملتها من السَّلف الصالح رضي الله عنهم، قد ترجم البخاريُّ في «صحيحه» للحديثين الأوَّلين بقوله: (باب فضل الزَّرع إذا أكل منه).
قال ابن المنير([112]): «أشار البخاريّ إلى إباحة الزرع، وأنَّ من نهى عنه، كما ورد عن عمر، فمحلّه ما إذا شغل الحرْث عن الحرب ونحوه من الأمور المطلوبة، وعلى ذلك يحُمَل حديث أبي امامة المذكور في الباب الذي بعده».
أقول: وقد كان الشيخ الألباني رحمه الله مع سياقه لهذه النصوص والآثار معتنيًا بالزرع والنبات في بيته الذي كان فيه أيما اعتناء، كما شاهدت ذلك، وكانت الطيور ترتع في حديقة منزله، فرحمه الله وجزاه خيرًا.
تبيانه لعناية الإسلام بالحفاظ على البيئة:
لقد حذَّر الإسلام مما يضرُّ بالبيئة في جوانب عدةٍ، وأبان الشيخ الألباني رحمه الله مما يضرُّ بالمجتمع، والبيئة من خلال تطبيقه للقاعدة الشرعيَّة: «لا ضرر ولا ضرار»، فقال عندما سئل عن حكم شرب الدّخان([113])هل هو محرَّمٌ ؟ وما الدَّليل عليه من الكتاب والسُّنَّة ؟
قال رحمه الله: «لا شكَّ في تحريم الدخان، وهو حرامٌ لأسبابٍ كثيرةٍ:
أولًا: أنَّ المدخِّن يضرُّ نفسه، وهذا الضَّرر في النفس له صورتان: ضررٌ في بدنه، وضررٌ في ماله، ثم الضَّرر الذي في بدنه يتعدَّى إلى غيره؛ فيصير التَّحريم يعلو ويتضاعف، والمعصية إمَّا أن يأتي بها العاصي سرًّا، وإمَّا أنْ يأتي بها جهرًا أمام النَّاس، فإذا أتى بها سرًا فهو عاصٍ لله مرّة، وإذا أتى بها جهرًا فهو عاصٍ لله مرَّتين، والسَّبب في ذلك أنَّ عدوى معصيته تنتقل إلى غيره، فيتضرَّر الغير بمعصيته في نفسه.
ثانيًا: كذلك الدُّخان الذي يشربه الإنسان لا يكتفي بأنَّه يضرُّ نفسه وماله، بل يتعدَّى في ضرره إلى غيره، وهذا الذي يسمَّى في لغة العرب: الإضرار ما يتعلق بنفسه الضرر، وما يتعلق بغيره الإضرار، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»([114])، فلا يجوز للمسلم أنْ يضرَّ بنفسه فضلًا عن أنْ يضرَّ بغيره.
فشارب الدُّخان جمع الخبيثتين: خبيثة الإضرار بنفسه على التَّفصيل السَّابق ماديًّا وبدنيًّا، وخبيثة الإضرار بالغير، لا أعني هنا بالإضرار بالغير كالذي يعلن شرب الدُّخان أمام النَّاس، هذا واضحٌ، لكنَّه بهذا الدخان الذي يبثُّه في الجوِّ الصَّافي النَّقيِّ يضرُّ الآخرين، ومعلوم الآن من الأخبار والمجلات الطبِّية، أنَّ سبب إضرار الدُّخان في بدن متعاطيه إنما يعود إلى المادة الكمينة فيه، وهي التي يسمُّونها بالنيكوتين، يقولون: هذا الدخان الذي ينفثه شارب الدُّخان وفيه مادة النيكوتين، فهؤلاء الأبرياء الذين طهَّرهم الله من شرب الدخان، مكرهون من هذا الشَّارب أنْ يشموا، وأن يبلعوا رغم أنوفهم شيئًا من مادة النيكوتين هذه.
إذًا: هو جمع المصيبتين في الحديث: الضرر بنفسه والإضرار بغيره، والنبي صلى الله عليه وسلم من رأفته ورحمته بأمَّته أنَّه جاءهم بكلِّ شيءٍ، وحذَّرهم من كلِّ شرٍّ، حتى وصل به الأمر إلى أن ينهى المسلم أنْ يتعاطى الطعام الحلال الذي فيه رائحةٌ كريهةٌ، إذا ما كان من الواجب عليه أنْ يحضر مجلسًا فيشمَّ الجالسون منه تلك الرائحة الكريهة، فنهاه عن هذا الطعام الحلال؛ لكي لا يؤذي غيره برائحة الطعام الحلال، وقد عرفتم أنَّ الطعام هو الثوم والبصل، فقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: «من أكل مِنْ هذه الشَّجرة الخبيثة فلا يقربنَّ مصلَّانا، فإنَّ الملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه بنو آدم»([115])، إذًا كأنَّ الرسول عليه السلام يقول: أيها المسلم المصلِّي! لا تأكلنَّ طعامًا فيه ثومٌ أو بصلٌ وتحضر المسجد، كُلِ الطَّعام الذي فيه الثُّوم والبصل قبل أنْ تحضر المسجد؛ أمَّا إذا أكلت هذا الطعام قبيل حضورك المسجد فنحن في غنىً عن حضورك المسجد، مع أنَّ حضور المسجد فرضٌ عليه كالصَّلاة نفسها، ولم يقتصر عليه الصلاة والسلام على هذا التوجيه: «من أكل من هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربنَّ مصلَّانا»، بل طبَّق ذلك عمليًّا، حيث دخل ذات يومٍ المسجد النَّبويّ، فشمَّ من أحدهم رائحة الثَّوم، فأمر بإخراجه من المسجد، وإلى أين؟ إلى البقيع ـ إلى المقابر ـ، لأنَّه يشير بهذا التَّنفيذ العمليّ، أنَّ المسلم الذي يحضر مساجد المسلمين، وهو يحمل في فمه رائحةً كريهةً يؤذي المصلين، هذا لا يليق بأنْ يعيش مع المصلِّين، بل ولا مع الأحياء الذين خارج المسجد، بل عليه أنْ يعيش مع الأموات في المقابر».
([1]) منها: «جهود الشيخ الألباني في الحديث رواية ودراية»، لعبد الرحمن بن محمد العيزري، و«جهوده في بيان عقيدة السلف الصالح في الإيمان بالله رب العالمين»، أحمد صالح الجبوري.
([2]) منها: «منهج العلامة الألباني في تقرير اعتقاد السلف والردّ على المخالف»، في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، و«منهجه في الدعوة»، في جامعة أم القرى، و«منهجه في تعليل الأحاديث»، في الجامعة الأردنية.
([3]) «الحديث حجة بنفسه» (ص26).
([4]) «التعليق على الطحاوية» (ص64).
([5]) أخرجه مسلم كتاب الإيمان/ باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله. (1/53) برقم:(37).
([6]) متفق عليه: أخرجه البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوَّة في الإسلام (6/712) برقم: (3606)، مع الفتح، ومسلم كتاب الإمارة، باب الأمر بلزوم جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال. (3/1475) برقم: (1847).
(1) «الأجوبة النافعة عن أسئلة لجنة مسجد الجامعة» (ص65). وينظر: «تحريم آلات الطرب» (ص162).
([8]) «حجة النبي صلى الله عليه وسلم» (ص100).
([9]) «أحكام الجنائز» (ص239).
([10]) (ص63).
([11]) «أصل صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم» (ص23).
(2) «إعلام الموقعين» (3/ 464ـ465).
(1) «آداب الزفاف» (ص195).
([14]) أحال الشيخ لبطلان هذا القول إلى كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، ومقدمته: «مختصر العلو للعلي العظيم»، للحافظ الذهبي.
(71) «الأجوبة النافعة عن أسئلة لجنة مسجد الجامعة» (ص34).
(72) متفق عليه: أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب ما يكره من النياحة على الميت (3/191) برقم: (1291) مع الفتح، ومسلم في المقدمة، باب في تغليظ الكذب على رسول الله (1/9) برقم: (1) عن المغيرة.
([17]) أخرجه مسلم في المقدمة باب وجوب الرواية عن الثقات وترك الكذابين (1/7).
([18]) أخرجه ابن الجوزي في مقدمة الموضوعات (1/46).
([19]) «الإمام الألباني دروس ومواقف وعبر» (ص5ـ6).
(2) «طبقات الحفاظ» للسيوطي(1/112).
[21]) رواه أحمد في «المسند» (2 / 159 و202) والخطيب في «شرف أصحاب الحديث» (5 و52 ـ 58) والترمذي (2669) وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (2 / 40) وأبو خيثمة زهير بن حرب (45) والدارمي (1 / 136) وأبو نصر السجزي في «الإبانة» وأبو نعيم وابن عساكر عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري وهو مختلف في صحبته كذا في «جمع الجوامع» (ص 995).
وسئل أحمد بن حنبل عن حديث معان بن رفاعة عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره. وقيل لأحمد كأنه كلام موضوع قال هو صحيح.
انظر: «جمع الجوامع» و«شرف أصحاب الحديث» (55)، وحسنه العلائي كما في «إرشاد الساري» (1/ 4) وانظر: «فتح الباري» (6 / 498).
([22]) أخرجه البخاري كتاب العلم/ باب: كيف يقبض العلم (1/50)، ومسلم ح: (2673).
([23]) «تحريم آلات الطرب» (ص69).
([24]) أخرجه ابن سعد (8/253)، بسند صحيح. ينظر: «الرد المفحم» (1/156).
([25]) «فقه الواقع للألباني» (ص25).
([26]) أخرجه ابن ماجه ح(2538) والنسائي (8/75)، وأحمد (2/402)، وابن حبان ح(4398) وغيرهم, وجاء في بعض المصادر: «ثلاثين» بدل «أربعين»، وجمع بينهما على الشك الإمام أحمد (2/362)، والحديث بمجموع طرقه حسن لغيره، كما في «السلسلة الصحيحة» ح (131).
([27]) من دروس الشيخ الألباني المفرغة. المكتبة الجامعة للخطب المنبرية والدروس والمحاضرات: http://www.3lsooot.com/alkhotab/options.php?do=word&LID=174′
([28]) أخرجه الطحاوي في «شرح المعاني» (4/86) وغيره.
([29]) انظر «السلسلة الصحيحة» (3098).
([30])شرح معاني الآثار (4 / 86) وأخرجه البيهقي (6/178)، ومسلم ح1623، وابن حبان ح: 5082 بنحوه.
([31])شرح معاني الآثار ـ (4 / 89).
([32]) رواه البخاري ح(2587)، ومسلم ح(1623).
([33]) «السلسلة الصحيحة» (9/26) حديث (3098).
([34]) «إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل» (3/408).
([35]) «1/443» برقم (250) وعزاه للدارقطني (522) والحاكم (2/57ـ58)، عن أبي سعيد الخدري، ووافق الذهبي الحاكم: على قوله (صحيح على شرط مسلم) وهو حديث حسن كما قال النووي في «الأربعين» وابن تيمية في «الفتاوى» (3 / 262) لطرقه وشواهده الكثيرة.
([36]) «أحكام الجنائز» (ص7).
([37]) المسند (2/ 108) برقم: (5873)، وأخرجه كذلك ابن خزيمة (3/259)، وابن حبان (6/451)، وغيرهم عن ابن عمر بسند صحيح على شرط مسلم، كما في صحيح الترغيب (1/256).
([38]) (ص79).
([39]) أخرجه أبو داود ح(4906)، والمقدسي في المختارة (2/470) وغيرهما عن أنس رضي الله عنه. وانظر: «السلسلة الصحيحة» (3124).
([40]) رواه البزار كما في المجمع (3/211) والطبراني في المعجم الكبير (11/ 323) وابن حبان (2/69)، وحسنه المنذري. وانظر: «إرواء الغليل» (557).
([41]) أخرجه مسلم ح(2670)، عن ابن مسعود.
([42]) أخرجه البخاري ح(1078)، ومسلم ح (2819)، عن المغيرة رضي الله عنه.
([43]) «الرد المفحم» (1/146).
([44]) أخرجه البخاري رقم: (39) عن أبي هريرة.
([45]) أخرجه ابن ماجه برقم:(3029)، وأحمد (1/347)، وابن خزيمة (4/274) وغيرهم، عن ابن عباس، وانظر: «الصحيحة» (1283).
([46]) أخرجه أبوداود (ح4906)، والمقدسي (2/ 470)، وغيرهم، وانظر: «الصحيحة» ( 3124 ).
([47]) انظر «إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل» (4 / 19).
([48]) ينظر تحقيقه لكتاب: «المسح على الجوربين والنعلين» للقاسمي، وما أضافه: «تمام النصح في أحكام المسح».
([49]) أخرجه أحمد (1/ 236) والطبراني في «الكبير» (11/227)، والبزار كما في «المجمع» (1/ 50)، وغيرهم، ورجاله ثقات لكن ابن إسحاق مدلس وقد عنعنه، وله شواهد تقوِّيه، خرَّجها الشيخ في «تمام المنة في التعليق على فقه السنة» (ص38).
([50]) تقدم تخريجه.
([51]) كان هذا من حفظ الشيخ رحمه الله، ولفظ الحديث كما في مسند أحمد (3/ 152) عن أنس قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصواتًا فقال: ما هذا ؟ قالوا: يلقحون النخل، فقال: لو تركوه فلم يلقحوه لصلح، فتركوه فلم يلقحوه فخرج شيصًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما لكم؟ قالوا: تركوه لما قلت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان شيء من أمر دنياكم فأنتم أعلم به، فإذا كان من أمر دينكم فإليّ». والحديث في صحيح مسلم ح(4363) عن أنس أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم مرّ بقومٍ يلقحون، فقال: لو لم تفعلوا لصلح. قال فخرج شيصًا فمر بهم، فقال: ما لنخلكم ؟ قالوا: قلت كذا وكذا، قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم.
والشيص: بكسر الشين المعجمة وإسكان الياء المثناة تحت وبصاد مهملة، وهو البسر الرديء الذي إذا يبس صار حشفًا، وقيل: أردأ البسر، وقيل: تمر رديء، وهو متقارب.
«شرح النووي على مسلم» (8/88).
([52]) هذا من احتياط الشيخ رحمه الله في تحري ألفاظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما كان عليه سلف الأمة فعن أنس بن مالك أنه كان إذا حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا، كان يقول: أو كما قال. «التمييز» للإمام مسلم (ص10).
([53]) مفرغ من دروس الشيخ على موقع http://www.islamweb.net الشبكة الإسلامية رقم 46.
([54]) أخرجه أبو داود ح(4598)، والترمذي ح(2640)، وابن ماجه ح(3993) وغيرهم، والحديث صحيح، له طرقٌ عديدةٌ. وصحَّحه جمعٌ من الحفَّاظ. انظر: «السلسلة الصحيحة» (203).
([55]) أخرجه أبو داود ح (4607) والترمذي ح (2676)، وابن ماجه ح (42) وغبرهم. وانظر: «السلسلة الصحيحة» (2735).
([56]) المسند (28/ 367).
([57]) «سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة» (1/141).
([58]) «أصل صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم» (1/39).
([59]) «الإحكام في أصول الأحكام» (5/64).
([60]) وكانت هذه أيضًا في الحرم المكي إلى أن أزالها الملك الفذ عبد العزيز بن سعود رحمه الله.
([61]) أخرجه مسلم برقم: (710).
([62]) «جامع بيان العلم» (2/84).
([63]) «أصل صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم» (1/45).
([64]) رواه البخاري ح (101).
([65]) رواه أبو داود ح(236)، والترمذي ح(113)، وأحمد (43/264ـ265)،وانظر: «السلسلة الصحيحة» (2863).
([66]) علَّق عليه الألباني بقوله: «وكان ذلك بإقرار النبي صلي الله عليه وسلم إياها على ذلك، والحديث إسناده صحيح كما حققته في «الأحاديث الصحيحة» برقم: (178) ».
([67]) أخرجه أحمد (6/372)، وأبو داود ح(3889)، وغيرهما.
([68]) برقم: (1118).
([69]) تقدم تخريجه.
([70]) أخرجه البخاري ح (907).
([71]) «فتح الباري» (1/549).
([72]) أخرجه الترمذي ح(1085) وهو حسن لغيره كما في «إرواء الغليل» و «السلسلة الصحيحة» (1022).
([73])أخرجه البخاري ح(4802)، ومسلم ح(1466).
([74]) أخرجه أحمد ح (20201)، وابن ماجه ح(3165)، وأحمد (5/17). وانظر: «الإرواء» (1165).
([75]) انظر: «الإرواء» (1171).
([76]) أخرجه أبو داود برقم: (3546) والنسائي ح (3687) وأحمد (4/275). وحسَّنه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (1240).
([77]) أي: خفف.
([78]) انظر: «الثمر المستطاب» (1/ 762).
([79]) «أصل صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم» (ص391).
([80]) أخرجه البخاري ح(3366)، ومسلم ح (2321).
(3) أخرجه أحمد (2/381)، والحاكم (2/670)، وابن أبي شيبة (6/324)، وغيرهم. انظر «السلسلة الصحيحة» (45).
([82]) أخرجه أبو داود (4/440) برقم:(4943)، والترمذي (4/323) برقم: (1924)، وغيرهم. وقال: هذا حديث حسن صحيح والحاكم (4/175)، وصححه ووافقه الذهبي. وذكره الألباني في «الصحيحة» (925).
([83]) أخرجه مسلم ح (2586).
(2) أخرجه البخاري برقم (13) و مسلم ح (1599).
(6) أخرجه البخاري برقم (467)، ومسلم ح(2585).
([86]) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ( 3/100)، والبيهقي في «شعب الإيمان»، وغيرهما بإسناد صحيح، وانظر «السلسلة الصحيحة» (2700).
([87]) انظر: «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (1/304).
([88]) رواه أحمد (4/ 107)، والترمذي (4/392)، وصححه: «أصله في صحيح مسلم» (7/48)، من حديث واثلة بن الأسقع، وله شواهد، وانظر: «سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة» (1/303).
([89]) انظر: «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (1/304).
([90]) أخرجه البخاري ح(1970).
([91]) أخرجه الترمذي (1320)، وأحمد (3/340)، والبيهقي (5/357). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وانظر «الصحيحة» (1181).
([92])رواه أحمد (5/360) والحاكم في «المستدرك» (2/29) وانظر السلسلة الصحيحة (1/126).بؤ
([93]) رواه ابن حبان في «صحيحه» (1110)، والحاكم (2/45)، والبيهقي (5/343) وسنده حسن، وانظر السلسلة الصحيحة(2326).
([94]) تقدم تخريجه.
([95]) أخرجه الحاكم (1/215) وغيره، و قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
([96]) أخرجه البخاري (ح3467)، ومسلم (ح2455)، والركية: بئر لم تطو أو طويت.
([97]) «السلسلة الصحيحة» (1/34).
([98]) أخرجه أحمد (3/436)، والحاكم (4/ 257) وقال: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي. وانظر السلسلة الصحيحة(26).
([99]) رواه ابن سعد في «الطبقات» (7/127) وسنده صحيح إلى المسيب، وانظر «السلسلة» (30).
([100]) أخرجه البيهقي (9/280).
([101]) المصدر السابق (9/281).
([102]) أخرجه أحمد (2/108)، وقال عنه الألباني سنده حسن.
([103]) أخرجه أبو الحسن الأخميمي في «حديثه» (63/1).
([104]) عزاه الألباني في الصحيحة إلى أحمد في «الزهد» (19/59/1)، بسند صحيح إلى أبي عثمان، وذكر أن أبا عثمان لم يجد له ترجمة.
[105]) ) وتمام الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بينما رجل يمشي بطريق، إذ اشتد عليه العطش، فوجد بئرًا فنزل فيها فشرب وخرج، فإذا كلبٌ يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه حتى رقي، فسقى الكلب فشكر الله له، فغفر له، فقالوا: يا رسول الله وإنَّ لنا في البهائم لأجرًا ؟ فقال: «في كلِّ ذات كبدٍ رطبة أجرٌ». أخرجه البخاري ح 2234.
[106]) ) صحيح مسلم ح 1955.
([107]) رواه الإمام أحمد (3/ 183،184،191)، والطيالسي برقم: (2068)، والبخاري في «الأدب المفرد» برقم: (479) وغيرهم، وانظر «السلسلة الصحيحة» (9).
([108]) أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (1/ 168)، وقال الألباني: سنده صحيح.
انظر: «الصحيحة» (9).
([109]) (3/337).
([110]) برقم: (448).
([111]) (13/264/2).
([112]) «فتح الباري» (5/3).
([113]) دروس للشيخ الألباني المفرغة برقم: (44).
([114]) مضى تخريجه.
([115]) أخرجه هكذا ابن حبان (5/443)، وأبو يعلى في مسنده (4/159) برقم: (2226) عن جابر ولفظه: «من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الناس»، وهو في صحيح مسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب: نهي من أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثًا أو نحوها (1/ 394) برقم: (564ـ565)، عن أبي سعيد بلفظ: «من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئًا فلا يقربنا في المسجد»، وللحديث ألفاظ أخرى.