وفيه فصلان:
الفصل الأول: ما قيل في مدحه في حياته من الشعر.
الفصل الثاني: ما قيل في رثاء شيخنا الألباني من الشعر
الفصل الأول
ما قيل في مدحه في حياته من الشعر
لقد مدحه عدد من الشعراء في حياته ، ومن ذلك ما كتبه الأستاذ الأديب الشيخ خير الدين وانلي الدمشقي رحمه الله وهو من تلاميذ الشيخ الألباني القدامى بعنوان:
مجدد القرن الخامس عشر الهجري
مجدِّدَ العصْرِ إنَّ العصرَ يَنتظرُ يا ناصرَ الدينِ أنتَ اليومَ مؤتَمَنٌ جمعتَ علمَ (سعيدٍ) وابنِ تيميةٍ فأنتَ في عصْرِنا تَبقى محدِّثَهُ سبعونَ عاماً وما لانت عريكتكُمْ فما التفَتُّمْ إلى الدنيا وزُخْرُفِها بل انصرفتُم إلى أقوالِ أحمدِنا يظنُّها الناسُ مما قالَ سيّدُنا ويرجعون إليها في تَحاكُمهم حتى جلوتَ لهم ما كانَ مُختفياً فالناسُ من قِدَمٍ أَعداءُ ما جَهلوا لابدَّ للنورِ أن يَغشى منازلَهم ويحملُ النورَ فتيانٌ فيتبعُهُم ويقبعُ الجهلُ والتقليدُ في ضَعَةٍ يا ناصرَ الدينِ جدِّدْ عهْدَ أَحمدِنا منكَ استقيْنا علومَ الدين صافيةً ما ضرَّ لهجتَك الفُصحى ورونقَها كم أَتقنَ اللغةَ الفصحى أَخو عَجَمٍ زمخشريٌّ وفيروزٌ وجوهرهُ لم يحفظِ الضادَ أهلوهــــــــــا كما حَفظوا
الدينُ للهِ والأقوامُ كلُّهمُ هي الشريعةُ للأَجيالِ قاطبةً وخيرُهم من وعاهُ من مصادِرِه ما الأصلُ يرفعُ إنساناً ويخفضهُ فليحفـظِ الله شيـخَ العصْـرِ عَالِمَــــــــــهُ
نصْراً مُبيناً فنَصْرُ اللهِ منتَظَرُ على الرسالةِ فانظرْ كيفَ تَسْتَطرُ وما رواهُ بخاريٌّ ومعتَمِرُ ما نالَ من رفعةِ الجوزاءِ مُنْجَحِرُ والجهلُ يعصِفُ والتقليدُ يَحتَجِرُ ولا رَكَنْتُم لطاغٍ هابَهُ البَشَرُ تَنْفُون عنْها زُيوفاً أمرُها خَطِرُ محمدٌ فهي بينَ الناسِ تنتشِرُ وفي التنازعِ إن حَلّوا وإن صَدَروا تحتَ الركامِ فنالوا منكَ وابْتَدروا فليقْذفوا العلمَ فالبهتانُ مندثرُ وعند أبنائِهم يُستطلع الخبرُ مَنْ خَلْفَهم ويسودُ العلمُ والنظرُ ويرجعُ الناسُ عنْ جهْلٍ بــــــــــه سدروا
خيرَ القرونِ التي قد عاشَها البشرُ منها ناهلُه ما شابَها كَدَرُ أصلٌ من العُجْمِ والأَلبانِ يَنحدرُ سَلْ عن قَواميسها والنحوِ مــــــــن سَطَروا
وسيبويه وجِنيٌّ ومَنْ غبرَوا فالعلمُ علمُهم والخُبْرُ والخَبَرُ مخاطبون بهِ الأَعرابُ والتترُ وكلُّهمُ لهُدى الإسلام مُفتقرُ وعاشَهُ وحماهُ إن دَهَى الخطَرُ بل يرفعُ المرءَ ما يأتي وما يَذَرُ فإنـه في الظــلامِ الحـــــــــــالكِ القمــرُ
وللأستاذ خير الدين وانلي قصيدة أخرى بعنوان:
ابن تيمية القرن العشرين
ما لابنِ تيميةَ الجليلِ الشانِ بَحرانِ من علْمٍ وفضلٍ فاغترفْ فكلاهُما في فقهِهِ متوقِّفٌ وكلاهُما نَبَذَ التعصُّبَ والهَوى وكلاهُما للباطنيّةِ مُبْغِضٌ وكلاهُما حَرْبٌ على ذي بدعةٍ وكلاهُما في الفقهِ ليس مقلّداً وكلاهُما تركَ التأَوّلَ جانباً فصفاتُهُ كالذاتِ ليس كمثلِها فكلامُهُ وعُلُوُّهُ ويَمينُه من غيرِ تشبيهٍ بشكْلِ عبادِه فالسمعُ والإبصارُ حَقٌّ إِنما وقد استَوى لا كاستواءِ عبادِه وقَفَ ابنُ تيميةَ الفقيهُ شبابَه وتأَلَّب الأعداءُ ضِدَّ إمامةٍ لم يلتفتْ لمناوئ أو جاحدٍ ومضَى يؤدّي في الحياةِ رسالةً كثُرَ الدعاةُ المبطلونَ لطمْسِها لكــنَّ نـورَ اللَّـهِ ليــس يَضُــرُّهُ عادَ ابن تيميةَ الفقيهُ بشخصكم يا صاحبَ (الإرواءِ) يا مَنْ لم تَزَلْ
(الظّاهريةُ) في دمشقَ مَشوقَةٌ في أَرضِ (أندلسٍ) رفعتمْ صوتَكُمْ
إنْ كانَ قومٌ قد رَمَوْكَ بجهْلِهم أنا بعضُ جُنْدِكَ في الجهادِ وإنني
أَنا للوفاءِ وللفداءِ لدعوةٍ حملَ الصحابةُ في القديم لواءَها وأئمةُ الفقهِ الكبارُ أُولو النَّهى الباحثون عبر الدليل ليراجعوا النابذون الرأْيَ خلْفَ ظهورِهم واليومَ أَنتَ على المكارِه حاملٌ فاصدعْ إِمامَ العصْرِ شيخَ شيوخهِ فاللهُ لا يَنسى جهادَ مجاهدٍ وستذكرُ الأيامُ فضْلَ جهادِكم يَكفي ابن تيميةَ الإمامَ بأنكم ستظلُّ طائفةٌ تقومُ بحمْلِها واللهُ ناصرُ دينه وجنودِه واهنأْ بغرْسٍ قد غَرَسْتَ بِجِلَّقٍ
خَلَفٌ كشيْخِ السُّنَّةِ الأَلباني ما شئتَ من فضْلٍ ومن عِرْفانِ عندَ الحديثِ الصَّحِّ والقرآنِ والرأْيَ أن يُلقى بلا بُرهانِ ولكل أصحابِ الهَوَى الفتّانِ في الدينِ مهما كانَ ذا سُلطانِ غيرَ النبيِّ المُجتبى العدناني وأَقَرَّ بالتَّـنْـزيـهِ للرحـمنِ وصْفٌ بلا نفْيٍ ولا نُقصانِ حقٌّ كما قَد جاءَ في الفُرقانِ وبغيرِ تَعطيلٍ كَوَهْمٍ فانِ قَدْ جَلَّ سمْعُ اللهِ عن آذان([1]) والعرشُ حقٌّ ليسَ كالبُنْيانِ للذوْدِ عن شرْعٍ وعن قرآنِ صمدت كطودٍ ثابتِ الأَركانِ فالشمسُ لا تعتَدُّ بالعُميانِ موروثةً من ذي الهُدى الربّاني وسَعَوا لَدَى الغوغاءِ والسلطانِ نَفْــخٌ مـــن الجهّــال والصِّبْيــانِ يا ناصرَ الإسلامِ يا أَلباني تَدعو إلى الحُسنى وبالإحسانِ فمكانُكمْ فيها أَعَزُّ مكانِ بحديثِ أحمدَ سيّدِ الإنسانِ فلقدْ تلقّى قبلَكَ الحرّاني مِنْ بعضِ غَرْسِكَ أيها البُستاني سَلَفيةٍ في النهجِ و الإيمانِ والتابعونَ ذوو العُلى والشانِ كالشافعيِّ الفَذِّ والنُّعْمانِ عنْ قولِهم لصوابِ قَوْلٍ ثانِ لصحيحِ قوْلِ المُصطفى العدناني هذا اللواءَ بعزْمةِ الفُرسانِ بالحقِّ لا ترْهبْ من الطغيانِ جلَّتْ صفاتُ اللهِ عن نِسيانِ في نشْرِ سُنَّةِ رسَلِ الرحمنِ صُنتُم أَمانَتَهُ على الأَزمانِ فاللهُ حافظُ شِرعةِ القرآنِ فاهنأْ بنصرِ اللهِ يا ألْباني سَيَعُمُّ كُلَّ الشامِ والبُلدانِ
ومن ذلك ما نظمه الدكتور أحمد العمري([2]) بعنوان:
محدث العصر
قفوا بنا نذكر الأمجاد والمُثُلا إني تذكرت والذكرى مشوِّقةٌ قد صاغها فكرُ شيخ النقل في زمنٍ شيخُ الحديث رعاه الله من عَلَمٍ أعني بخاري هذا العصر مَنْ شهدت محمدُ الناصرُ المنصور منهجُه عقيدةٌ في حديثٍ في متابعة لله دَرُّكَ من شهمٍ له قدم يا ناصر الدين قد أحييت مدرسة يا ناصر الدين قد فجّرت جاريةً محدثَ العصر قد جاءتك رائعةٌ بنات فكريَ ما زوجتهنّ فتىً يا رائحين إلى عمَّان دونكم نجمٍ أضاءت زوايا الكون طلعتُه يا لائمي في تراث الشيخ معذرةً إن كنت لا تعرف الإرواء فاحْظَ به وهل رأيت -رعاك الله- سلسلةً تُبين ما صحَّ من قول الرسول وما ففي الصحيحةِ إحياءٌ لسُنَّةِ مَنْ وفي الضعيفة صونٌ للشريعة مِنْ وكم وكم سطَّر الشيخُ الهمام لنا يا أهلَ عمَّان نجمُ السعدِ بينكـــــــمُ
ونسلك الدرب درب السادة النُّبُلا أسفارَ علمٍ أنارت بيننا السُّبُلا جنى الكثيرون فيه الجهلَ والكسلا سما فكادت له الأوغادُ والجُهَلا له مآثِرُه العظمى بما فعلا فاخِر بمنهجهِ والزمه مهتبلا لنهج أحمدَ لا يبغي له حِوَلا في العلم راسخةٌ ما كلَّ أو نكلا أستاذها المصطفى فافخر به عملا من نبعها كلُّ شهمٍ علَّ أو نهلا من مهبط الوحي تحدو نحوكم قُبُلا إلاّ جهابذَ علم تَتْبَعُ الرسلا خذوا سلامي إلى نجمٍ بها نزلا وطبّق النورُ منه السهل والجبلا حقِّقْ لنا سَنَدَاً في العلم متصلا كي ترتوي من مجاري نبعه عسلا أغلى من الذهب الإبريز للعُقَلا؟ منه ضعيفٌ فهل ترضى بها بدلا أصغى الزمانُ له في العلم منذهلاً تبديل مَنْ يبتغي عن ديننا بدلاً من أنفَسِ القول في أسفاره وجَلا وستعرفون ظــــــــلامَ الليــل إنْ أَفَلا
الفصل الثاني
ما قيل في رثاء شيخنا الألباني من الشعر
لقد رثاه بعد موته عدد من الشعراء ومن ذلك : منظومة بعنوان : ((سهم من الغيب)) من رثاء الشاعر د . أحمد بن عبد الله العمري الأستاذ المساعد بقسم الفقه بالجامعة الإسلامية.
يقول فيها:
سهمٌ من الغيب ألقى نجمَنا الثاني([3])
فخيمتْ في حنايا الصدرِ أحزاني
رُحْماك يا ربِّ قد جَلَّتْ مصائِبُنا
حتى بكى أُحدٌ من بعد ثَهْلانِ
مصيبةٌ عَمَّتِ الأوطانَ وانصدعتْ
لها قلوبٌ فلا تسلو بسُلوان
إذا بكت طيبةُ الفيحاءُ من حَزَنٍ
سَمِعتَ رَجْعَ بُكاها نَحْو عمانِ
مات الإمامُ الذي كالشمسِ طلعتُه
فَجلّلَ الحزنُ ذا قاصٍ وذا دانِ
حقاً لِتَبْكِ البواكي عالماً بلغت
آثارُه كُلَّ أرضٍ دون نُكرانِ
بل نسلُ سامٍ وحامٍ والذين أتوا
مِنْ بَعْدُ من نسلِ عدنانٍ وقحطانِ
بل والسماواتُ والأرضُ الفساحُ وما
في البحرِ من سُفُنٍ تَجْري وحيتانِ
هذا الإمامُ الذي ما بعده عِوَضٌ
يبدو لذي بَصرٍ بل ماله ثانِ
هذا الذي لو ملايينُ الورى وُضِعوُا
في كفةٍ الوزنِ لم تَعْدِلهُ في شانِ
هو الإمامُ الذي جَلَّتْ مآثِرُه
هو البخاريُّ في أَثْوابِ ألباني
يا ناصرَ الدينِ كم ناصرتَ ملةَ
خيرِ الناس في حُجَجِ تزهو وتِبْيانِ ِ
وكَمْ بهرتَ بنورِ الحقِ ذا عِوَجٍ
أيامُه بين مفْتُونٍ وفَتّانِ
كالدارميْ في صراعِ القومِ إن برزوا
أو الإمامِ الذي من أرضِ حرّانِ
نَعَمْ لكم من أبي العباس سلسلةٌ
تُطِلُّ من قولكم في كل مَيْدان
وكُنْتَ في عِلَلِ المنْقُولِ ذا بَصَرٍ
كالدارقطنيِّ في حفظٍ وبُرْهانِ
وفي رجالِ حديثِ المصطفى بَرَزَتْ
أعلامُكم بين تقريبٍ وميزانِ
وكم أقمتَ على التقليدِ مُنْتَصراً
حرباً تَدُكُ العِدا من غيرِ نيرانِ
تدعو لجعل كتابِ اللهِ قائدَنا
وسنةِ المصطفى من دونِ خذلانِ
تدعو لأنْ نَفْهَمَ الوحيينِ فَهْمَ هدىً
كفهمِ سعدٍ وعمارٍ وعثمانِ
تدعو لتزييفِ قولٍ لا دليلَ له
حتى وإن كان عن عمروٍ وحسانِ
إن مات جِسْمُك يا شَيخ الحديثِ فما
ماتت حدائقُ علمٍ طَلعُها دانِ
زَرَعْتَها بيدٍ فياضةٍ ولها
في الخير شَأْوٌ سما عن كل كسلانِ
سبعون عاماً لنصر الدين منتصباً
في خيرِ عِلْمٍ معْ يحيى وسفيانِ
معَ ابنِ حنبلَ والشيخين في سَمَرٍ
وابنِ المدينيْ وطاووسِ بن كيسان
أسفارُكم غَمَرَتْ ظهرَ البسيطةِ بل
في كل بيتٍ بذكر اللهِ مُزدانِ
هذي المفاخرُ لا مَنْ كان في صبَبٍ
معَ الغواني وذكرِ الأَيْكِ والبَانِ
إنّي أُحبك يا شيخَ الحديثِ وما
يجفوك غيرُ دَعِيٍّ جاهلٍ جاني
إني أُحِبُك والإنسانُ يُحْشَرُ معْ
أحبابِه لا معْ أهل وجيرانِ
إني أُحبك في ذاتِ الإلهِ وأهْلِ
اللهِ منْ بينِ كلِّ الناسِ خِلاّني
يا ربِّ فلْتَجْعَلِ الجناتِ مَسْكَنه
في جَمعِ حورٍ جميلاتٍ ووِلدانِ
واكْتُبْ لنا الفوزَ كي نلقاه في غَدِنا
على كثيبٍ مِنَ الرّضوان فَيْنانِ
ولقد رثاه الشاعر أبو الفضل عادل بن المحجوب رفوش المغربي الطالب بالجامعة الإسلامية بالمدينة في قصيدة بعنوان:
((مضى إلى الله))
قصيدة في رثاء العلامة الألباني رحمه الله تعالى
ماءُ الحياةِ بِذِي الدنيا وَإِنْ عَذُبا
أخو السَّراب!! فلا يغررْك مَنْ شرِبا
فما تطيبُ كؤوسُ مِـنْ مُعَتَّقَةٍ
ما دام كـأسُ المـنايا صَاحِ مقتربا
فاعملْ لتلْقى الذي تَسْررْك طَلْعَتُهُ
وَ قَدِّمَنْ صالح الأعمال والـقُرَبا
فليس يُذكرُ بعد اللَّحْدِ مِنْ نَشَبٍ
إلا بصـالحةٍ تسْتَصْلِحُ النَّشَـبا
طوبى لعبدٍ أتى الدنيا على وَجَـلٍ
كـما أتى ناصرُ الدين الذي ذهبا
مضى إلى الله و اسْتَوْفَى الذي كُتِبَا
وما تَلَوَّنَ بالدنـيا و مـا اضْطَربا
وما تَـلَوَّثَ في أَدْرَانِـها رَغَـباً
وما تَـرَدَّدَ في حَقٍّ بِـها رَهَـبَا
بل كان حيثُ ثوى كالبدر مُكْتَمِلاً
يعلو سمـاء الـعلى في عِزَّةٍ وَإِبـَا
مضى إلى الله يـا لَلْحُزْنِ مِنْ خَبَرٍ
لَوْ أنـه كَذِبٌ قد أَمْـدَحُ الكَذِبا
أو أنه مِنْ كَرَى الأَضْغَاثِ صاعقةٌ
لأَهْجُرَنَّ فـراشَ الـنومِ وَالأُهُـبا
وَأُعْطِيَنَّ بـتكذيبٍ لـه مُـهَجاً
وأَبـْذُلَنَّ عـليه الـوَرْقَ والذَّهَبا
لكنه الصَّدقُ!! حـمداً للإله على
ما أمسك الدهرَ من نُعْمَى وما وهبا
صِدْقٌ يُبَدِّدُ آمـالا ويَبْعَثُ مـن
أَصْدَائِهِ أَخْـوَفَ الآلام والشَّـجَبا
صِدْقٌ أَحَرُّ مِنَ الرَّمْضَا على كَبِدي
أبقى الـفؤادَ عَليلا هَـيِّناً وَصِبا
أَلْوَى بِصَبْرِيَ حتى خِفْتُ من جَزَع
وأَسْـبَلَ الدمعَ مُنْـهَلاّ ومُنْسَكِبا
وَلَـسْتُ وَحْـدِيَ أَرْثِـيهِ وأَنْدُبُهُ
فَلَسْتُ إلا فـتى في عَالَمٍ نَـدَبـا
تبكيهِ أعلامُ حـق كان يحملـها
شرقا وغـربا بـأَيْدٍ تقهرُ الأَلَبـا
فـما تـرى بـلدا إلا لـه أثـرٌ
فيـه ومـتخذٌ في بَعْثِهِ سبـبا
فسل دمشق وسل عَمَّان سل حرما
والهند والمغرب الأقصى وسل حلبا
تجد مراثيَ فـي الجـدران بـاكيةً
كأن دمْـعَتَهَا قد فـارقت صَبَبـا
تبكيه حزنا !! وإجماعا تقول لـنا
أكرم بـه عَلَما وعَـالـِما وأَبـَا
سل عنه طـلابه الأفـذاذَ في دول
شَتَّى !! تجد عَبَراتٍ تسبقُ الذَّرِبـا
ومـا لناظـرة كـانت تَقَرُّ بـِهِ
إلا أَلِيـَّتُهَا أن تـهـجُرَ الطَّرَبـا
إيهٍ !! تَحِقُّ لها الشكوى فقد فَقَدتْ
بفقده العلمَ والإحسانَ والأدبـا
فمـا رأت مثلـه في وُدِّهِ طربـا
ولا رأت مثله في الـحق إن غَضِبا
وسـل مُعَاشِرَهُ عن خشيةٍ وتُقىً
كم أرسَلَتْ دَمْعَه في الليل مُنْتَصِبا
يأبى المبـاحَ ويأبى المدح عن ورع
ويستعيـذُ برب العـرش مرتقبا
وكم رأى الصالحون الغُّرُ فيه رؤىً
من عاجلِ البِشْر قد جاءته فاكْتَرَبا
أن قيل إنك تقفو المصطفى وبكى
واسْتَوْكَفَ العَبَراتِ الحُمْرَ وانْتَحَبا
سبعون عاما من الأزمان أَسَكَنها
بين الأحاديثِ يا بُشراه ما اكتسبا
سبعون عامـا مُحَيـَّاهُ يُنَضَّرُ في
سَـرْدِ الأحاديث والآثار محتسبا
ما كان يطمع أن يحـظى بجائزةٍ
لذاك لمـا أتته أشـرقت طَرَبـا
سبعون عاما يَذُبُّ الرَّيْبَ عن سُنَنٍ
إن يبدُ مبتـدعٌ أو ذو هوى نَعَبا
يُسْتَنْفَرُ الشيـخُ منصورا بحجتـه
حتى كَـأَنَّ لـه من ربه شُهُبـا
فَيُبْطلُ البدعَ السـودا وَيُزْهِقُها
ولا تصيب دمـاً منـه ولا سَلَبـا
يدعو إلى دعوة التوحيد منتبذاً
أَوْ حَالَ شرك إذَا المطْلُوب قَدْ طُلِبا
أعلى لأهل الحديث رايةً حُجِبَتْ
دهراً فَكَشَّفَ عنها السِّتْرَ والحُجُبا
أعلى بـه الله قول الحق في زمنٍ
يسطو بغربةِ أهلِ السُّنَّـةِ الغُرَبـا
دَوَّى به سَلَفِـيَّ النهج متبعـا
هَدْيَ الرسول ومَنْ للمصطفى صَحِبا
صَفَّى وَرَبـَّى وَقَدْ أَبَّتْ أَبَابَتـُهُ
على الوُضُوحِ فما اشْرَوْرَى وَلاَ انْتَقَبا
وأيقـظَ الأمةَ السكرى بأجوبةٍ
من مُحْكمِ الذِّكرِ يُبْدي الفقهَ والأدبـا
وصـار للسنة الغراء مدرسـة
قد جَدَّدَتْ بالحديث العُجْمَ والعَرَبـا
لله درك يا شيـخ الشيـوخ ويا
عَلاَّمَـةَ العصر يا نِبْرَاسَ من سَرَبـا
ما زال صوتُك في أُذْنَيَّ يَأْسِرُني
ونُورُ وجهِكَ عن عَيْنَيَّ مَـا غَرَبـَا
لا لا تلمني أخي إن قُلْتُ قد جُمِعَت
فيه الخصال التي تَسْتَوْجِبُ العَجَبـَا
مِنِ ابنِ حَنْبـَلَ نال الصبر مُمْتَحَناً
إذ ظَلَّ يُطْـرَدُ في البلـدان مغتربا
وناله اللُّؤَمَا الأَوْغَادُ عن حسدٍ
بالطعْنِ والتُّهَمِ الشَّوْهَا فمـا اُعْتَتَبَا
فعاد جُنْدُ الهوى بالخسرِ منهزماً
وعاد شيخ الهدى بالنصر قَدْ غَلَبا
وَمِ البُخَارِىْ أَميرِ المؤمنـين أتى
عرشَ الخلافةِ في التحديثِ وانْتَصَبا
وكان كابنِ المديني كاشفاً عـللا
تُعْيِي الأَلِبـَّا ومن في الفنِّ قد أَرِبا
ومن يطالعْ بمحضِ العدل ما كَتَبَت
يُمْـنَاهُ يَلْقَـاهُ نَقَّـاداً وَمُنْتَخِبـا
فـكلُّ خافيةٍ عـن شمسه اتضحت
وكـلُّ مُبْتَعِدِ المـعنى بـه اقتربـا
سل عنه مـكتبةً بل مكتباتِ هُدىً
تَرَبـَّعَ الشيخُ فـي أرجائها وَرَبـَا
ما كان يسأمُ من عيشٍ بـها أبدا
وكان يَهْجُرُ فيها الصَّحْبَ والعِنَبـَا
و لا يـفارقها حرصاً على زمـن
حتى يطالعَ منـها الدِّقَّ والسَّهَبـَا
فَيَفْصِمُ اللؤلؤ المكنـون عن زَبَـدٍ
ويُطْعِمُ العَسَـلَ المعسولَ والرُّطَبـا
فأتحف الكـونَ بالإرواء أرسلـه
كالجارياتِ بيسرٍ تـمحق الجَدَبـا
وَرَصَّعَ الجِيدَ عَنْ عَطْلٍ بسلسلـةٍ
كالـتالياتِ لـذكرٍ تدرأُ الكَذِبـا
وكم من الكتب الغَرَّا أفاد بـها
تروي الصحيحَ وتنفي الزورَ والشَّغَبا
وكم تحاكم أقـوامٌ إلـيه فـما
نادَوْه إلا وأنـهى الرَّيْبَ والصَّخَبَا
فـسل مُنَاظِرَهُ عَنْ قَدْرِ هَيْبَتِـهِ
هل يستطيعُ امتِدَادَ اللَّحْظِ إِنْ قَرُبَـا
وسل محاججه عن حد عارضـة
هل يَسْتَطِيعُ لها أَنْ يُثبِتَ الرُّكَبَـا
جَمُّ التَّوَاضُعِ لم يُفْسِـدْ وِدَادَ أَخٍ
بالخُلْفِ فـي نظرٍ كَلَّا ولا أَشَبَـا
و إن تَبَدَّى له الـبرهانُ من أحدٍ
أفْضَى إليه !! بفيضِ الشُّكْرِ مُنْـثَعِبا
فاللـهُ يَغْفِرُ ذَنْـباً للُألى زعمـوا
شذوذَ شيخ الهدى في الرأي مُنْعَصِبَا
أو من يقول لدى الإيمـان إن لـه
من قولِ مرجئـةٍ كَـلَّا لقد كَذَبا
أو من يقول تَعَدَّى عند قِسْمَتِـهِ
كُتْبَ الحديثِ إلى ما لانَ أو صَلُبَا
قلنا اقتدى بالبخارِي الشَّهْمِ والبغوي
فَهَلْ هُمُو قد تَعَدَّوْا أَمْ عَلَوْا رُتَبَـا
والأَمْـرُ مَقْصِدُ تَأْلِيـفٍ يُيَسِّرُ عَنْ
جُلِّ الوَرَى، ولِكُـلٍّ وِجْهَةٌ طَلَبَا
أو من يقـولُ بأن الفقه ليس لـه
تاالله مـا عرفوا فقهـاً ولا أَدَبَـا
فهل رأيتُمْ كأحكـام الجنـائز أو
ما خَطَّ مِن صِفَةٍ للمصطفى وَحَبَا
ما الفقهُ إلا حديثُ المصطفى لِفَتًى
دَقِيـقِ فَهْمٍ كفهم الشيخ قد نَجُبا
قُـلْ إِيْ وَرَبِّي إِنَّ الشَّيْـخَ مجتهدٌ
يقولُ ما يقتضيهِ النَّصُّ مُسْتَهِبـاً
فكان حَتْماً سلوكَ العُرْفِ مَعْه فلا
يُلَامُ لَوْماً قَبِيحَ الوَصْفِ مُعْثَلِبـاً
وَكَمْ تَنَكَّـرَ أقوامٌ وكم جحـدوا
لكنهم سَرَقُوا في السِّرِّ ما كَتَبَـا
لسنا نُـغَالِي ولا ندعوا بعصمتـه
كَلَّا !ولا نحن نجفوا عنه إن عَزَبـا
نُثْنِـي عليه كمـا أثنى جهـابذةٌ
كابن العثيميِن وابنِ البازِ والخُطَبا
بل إنـه سَلَّمَ الأَعْـدَا تَفَـرُّدَهُ
مِثْلَ الغُمَارِي وَإِنْ نَاوَاهُمُ وَأَبـَى
يا أيها الشَّـانِيءُ المُبْدِي عَدَاوَتَـهُ
رُوَيْدَكَ اليَوْمَ لا تفرحْ إِنِ انْشَعَبَـا
فالشيخُ إن مات جسما لم يمت عملاً
بل خَلَّفَ الذِّكْرَ والطُلَّابَ و الكُتُبَا
وَنَحْسِـبُ اللـهَ وَفَّـاهُ بخاتمـةٍ
حُسْنَى فما طَالَ عَنْ دَفْنٍ ومَا تَعِبا
وكـان أوصى بأن تبقى ذخـائره
وَقْفاً لجـامعةٍ قِدْمـاً بها اُنْتُدِبَـا
إِنَّـا نُحِبُّـهُ دِينـاً قَـيِّماً ونـرى
سبيلَ حُبِّهِ بالبـرهان قَدْ وَجَبَـا
إن شئتَ تنميهِ في الأبدال قُلْتُ نعم
أهلُ الحديث همُ الأبدالُ والنُّقُبُـا
أو شئتَ في أوليـاءِ اللهِ قلت نعم
ومن يعادي وَلياًّ خاب وانقلبـا
و ليس يطعنُ فيهم غيـرُ مـبتدع
وَيَنْهَجُ الحُبَّ مَنْ لِلسُّنَّةِ انْتَسَبَـا
ماذا أقـولُ لِأَسْتَـوْفِي مَحَامِـدَهُ
وهل أُحَاوِلُ مبسوطاً ومُقْتَضِبَـا
كَلَّا سَأَتْعَبُ عَداًّ ثُمَّ أَرْجِعُ كَـيْ
أَقُولُ سُبْحَانَ مَنْ أَعْطَى وَمَنْ وَهَبَا
قَدْ ذَكَّرَ النَّاسَ بِالأَسْلَافِ والعُلَمَـا
وكانَ عَالِمَ هذا العَصْرِ دُونَ إِبـَا
فاللهُ يَجزيهِ خيـراً ثُـمَّ يُسْكِنَـهُ
فَسِيـحَ جَنَّاتِـهِ مَثْوىً و مُنْقَلَبَـا
و الله يجعل فـي الباقيـنَ تَعْزِيَـةً
لِكُلِّ ذِي سُنَّـةٍ مِنْ فَقْدِهِ رُعِبَـا
وللأستاذ الشريف حاتم بن عارف العَوني رثاء بعنوان: ((رثاء علوم السنّة لِموت مُحيي السنّة)).
نَثَرْتُ قصائدي ، وقَصَدْتُ نَثْرِي
أُفَتِّشُ بينها عن حَرْفِ دُرِّ
لأنظمَ من يتيمِ الدُّرِّ شِعْراً
فلا يشدو بغير الدُّرِّ شِعْري
لأنثرهُ على قبرٍ تَوَارَى
على أنّي وَدِدْتُ القبرَ قبري
فقد جلَّ المصابُ عن القوافي
وجفَّ رَوِيُّها عن رِيِّ صَدْرِي
وقد زعموا بأن الشعر يشفي
وأن بيانَه سُلْوانُ سِحْرِ
وأنّ من الحروف حروفَ نورٍ
تُمجِّدُ من حَبَوْتَ بكلّ دَهْرِ
وأنّ رثاءَ مَنْ مات ابتعاثٌ
يُجَسِّدُهُ ، فبين الناسِ يَسْرِي
فأمسكتُ الفؤادَ ، جمعتُ صبري
على صَدْعِ الفؤادِ وشَعْثِ صبري
لأبكيه حروفاً من دموع
وأرثيه بكاءً كُلَّ شِعْري
فإن أرجو الثوابَ لكلِّ صبرٍ
ففي جزعي عليه رجوتُ أجري
فما صبرتْ على الإسلامِ نَفْسٌ
إذا رُزِيَتْهُ ، إلا نَفْسُ كُفْرِ
أأَلْبانيُّ إنّيَ إنْ رُزِيْتُ
فحسبي منك من عِلْمٍ وبِرِّ
وحسبي في مُصابي أن أراكَ
وقد أَحْيَيْتَ جيلاً – جوفَ قبرِ
وعن سُنَنِ النبيِّ نَفَضْتَ تُرْباً
فهالَ عليك تُرْباً صَرْفُ دَهْرِ
وفي علم الحديث وحيدُ عصرٍ
وها قد صِرْتَ أنت فَقيدَ عصرِ
وللآثار قد أوضحتَ نهجاً
فَبِتَّ بنهجها أَثَراً بِإِثْرِ
وللأسلاف كنتَ لهم نصيراً
فمنهم أنت صِرْتَ بغير نَصْرِ
بكاكَ لنصر دينِ الله سيفٌ
كَتَبْتَ به الملاحمَ كُلَّ سَطْرِ
فتقمع كُلَّ مبتدعٍ عنيدٍ
وتكْبِتُ كُلَّ ذي فسقٍ وشَرِّ
فياللهِ كم فينا مُصاباً
وبعضُ مُصابِنا بالبعضِ يُزْري
فبعضُ الفَقْدِ لا يعدو فراقاً
وبعضُ الفقدِ فَقْدُ نُهىً وفكرِ
فما نرثيك إذ نرثيك إلا
علوماً ضُمِّنَتْ في جُرْفِ قَبْرِ
وما نبكيك إذ نبكيك إلا
على سنن الهُدَى رُهِنت بأَسْر
وأَنَّي نكتفي بالدمع يوماً
على جَلَلِ الدموع بوجْهِ حُرِّ
فنكملُ ما بنيتَ بكلِّ عزمٍ
ونَرْمي من رَمَيْتَ بكلِّ وَتْرِ
ونفرضُ في الصلاةِ دعاءَ صدقٍ
لشيخٍ لن نراه ليوم حَشْرِ
وقد كتب الشاعر الأستاذ عبد الرحمن بن إبراهيم سالم الطقي مرثية بعنوان : ((مرثيَّةُ علامة العصر الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله)).
وهذه مختارات منها :
الفجيعة بفقد العلماء
فُجع الفؤادُ وزلزلت أركاني
وبُليتُ إذ حدثُ الزمان دهاني
وتكاثرت حولي الخطوبُ حوالكاً
فكأنها سِربٌ من الغربانِ
لكنما نفسُ الأبيّ تؤُّزه
عند البلا للصبر والسُّلوانِ
ولربما لا تستطيع تجلُّداً
حين المصاب بعالمٍ رباني
فالعلمُ غيثٌ في البرية صوبُهُ
منذ النبوة دائمُ الهميانِ
والناسُ أرضٌ جادها ذاك الحيا
وصنوفُهم كأجادب القيعانِ
فالعالِمون لأمةٍ آباؤها
والناسُ هم بمثابة الولدانِ
وفراقُهم يزري بفقد أبائهم
فالطينُ ليس أبوةَ الأديانِ
غالبتُ عيني كي تعالج نومها
أنَّي لمكلوم كرى الوسنانِ!
يالَهْفَ قلبي من ذهاب أئمةٍ !
في عام كربٍ دائمِ الأحزانِ
أودى كثيرٌ من أولي العلم الأُلَى
هم كالنجوم تنيرُ للحَيرانِ
وتتابعت تهوي سراعاً فوقنا
تُدني قيامةَ عالَمِ ولهانِ
قد جلَّلتْ ظُلَلُ الغيوم سماءَنا
واحلولَكتْ أن يَخسفَ القمرانِ
لم نستفقْ من صدمةٍ في شيخنا
(( عبد العزيز )) إمامِ أهل زماني
حتى دهانا اليوم فقدُ إمامنا
عَلَمِ الزمان (( محمدِ الألباني )) !
علم الشيخ الألباني
وهو الذي أمضى الحياة مجاهداً
في العلم بالتأليف والتبيانِ
مُنِح البصيرةَ والسّدادَ فإنه
لزم الكتابَ وسنةَ العدناني
ودعا إلى تغييرِ واقعِ أمّةِ
تشكو من التفريطِ كلَّ هوانِ
وتَرى له نهجاً يُدندنُ حوله
وقَف الحياة له ، له ركنانِ
فأراد تصفيةً لكُتْب تراثنا
وكذاك تربيةً على الإيمان
مازَ الصحيحَ من الضعيفِ بسنّةٍ
فالجرحُ والتعديلُ ميزانانِ
ودعا إلى التوحيد صِرفاً خالصاً
لله ذي التدبير والإحسانِ
كم ظلَّ يدعو للعقيدة بلْجةً
ونقيةً من شائب الأدرانِ
قد أعلن الحرب الضروسَ لبدعةٍ
من غير مَجبنةٍ ولا إدهانِ
في الحفظ والتنقيب أصبح آيةً
والحفظُ منحةُ ربِّنا المنّانِ
لو عاش في عصرِ الحديثِ وأهلهِ
لغدا له كعْبٌ عليُّ الشانِ
وكفاك تزكيةَ ابنِ بازِ علمَه
ولزومه للمنهجِ الرباني
قال ابنُ بازٍ : ما عملت معاصراً
تحت السماءِ كناصر الألباني !
قد كان بين مجددينا شامةً
في الأفْق كالعَيُّوقِ والدَّبَرانِ([4])
لولا الغلوُّ خلافُ هدْي نبينا
لزعمتُ ليس نظيرَه الثقلانِ !!
مناقب الشيخ الألباني
أمّا مناقبُ شيخنا فكثيرةٌ
كانت تَدُلُّ عليه كالعنوانِ
فهو الحريص على التزام محجّة
متأدباً بهداية القرآن
وهو الحبيب إلى النفوس تواضعاً
فاعجب لمحبوبٍ قصِيٍّ دانِ
وهو الجواد إذا توفر مالُه
وهو الجريء بساحة الفرسانِ
وهو الحليمُ على جهالة جاهلٍ
وسفاهِهِ وتطاولِ الغلمانِ
وإذا تحدث فهو أفصحُ ناطقٍ
وكأنه في النّسْل من عدنانِ
ما ضرّ شخصاً في الأرومة عجمةٌ
إن كان فيه فصاحةٌ بلسانِ
ذو منطق عند الحوار يَميزُه
حصرُ النزاع وقوةُ البرهانِ
إن جاءه الخصم العنيد مكابراً
حسِبَ السرابَ مواردَ الظمآنِ
فتراه بعد هُنيهةٍ مستساماً
أو ممعناً هرباً من الميدانِ !
أما خصيصتُه التي شُهرتْ به
فرجوعه للحق دون توانِ
وتراه جلْداً للبحوث مواصلاً
ونظيرُه لم تبصرِ العينانِ
كم فرقةٍ ضلتِ ابان ضلالها
وزعيم حزبٍ بات كالعُريان !
وإذا تصدى للمزاعم والفِرى
خرّت مزاعمُهم إلى الأذقان !
ثبْتٌ إذا دهم الـمُلِمُّ فمالَه
طَيْشُ الصِّبا وتسرعُ العجلانِ
كم فتنةٍ ثارت فأردتْ معشراً
والشيخُ طودٌ في ثبات جَنانِ
قد سامه الحكامُ سوء عذابهم
فرأى الأذى وتفنُّنَ السجَّانِ
والشيخُ معتصمٌ بمنهج سنةٍ
لم يُكْفِرِ الحكامَ كالسّرَعانِ
قد عاش عفّاً ما يُرى متزلفاً
من أهَل مظلمةٍ ذوي طغيانِ
إن رمت زيداً من جميل خلاله
فاظفر بسفْر (( محمد الشيباني ))
تلاميذ الشيخ الألباني
وإذا سألت عن التلامذة الأُلى
نهلوا العلوم على يد الألباني
فهمو كثيرٌ ليس يمكن حصرُهم
متفرقين بسائر البلدانِ
وأقلُّهم مكث السنين ملازماً
للشيخ مثلُ ((عليٍّ الخشْانِ))
فتخرج الجمُّ الغفيرُ محدثاً
ورجالَ تربيةِ كمثلِ ((الْبانـــي))([5])
وتتلمذ الآلافُ عبر كتابِه
وشريطِه نُشْرا بكل مكانِ
كم أهلِ علمٍ سلّموا لمقامه
في العلم رغم تحاسدِ الأقرانِ
دفعوا إليه بكتْبهم ليقيمها
من حيث إسنادٍ وحيث معانِ
فأفاد منه الأكثرون وأعربوا
عن شكرهم إلا ذوي النكرانِ
وترى الجهابذة الفحولَ تسابقوا
للقطف من ثمر الإمام الداني
ولربما بعث ابنُ بازٍ سائلاً
في حلِّ معضلةٍ وزَيْدِ بيانِ
زيارتي للشيخ الألباني
ولقد أصبت من الليالي غِرْة
حتى حططتُ الرحلَ في (( عَمَّانِ ))
فرأيت بيتاً في التواضع آيةً
زينَ البيوت بتَلَّةِ الهملانِ
فعجبت من أسدٍ هصورٍ رابضٍ
بعرين بيت ضيق الجدرانِ
تاجُ العلوم عليه أبهى حُلةٍ
( فهو المهيبُ وليس ذا سلطان )
وهناك يغذو العالمين بعلمه
من نور وحْيٍ ساطعِ التّبيانِ
يا من يريد ذرا العلوم يسيرة
من غير كدِّ أو ضنى الأبدانِ
وتبيتُ يعلوك الشخيرُ بهمة
دون الثرى وبطالةِ النومانِ
أو ما جلست لدى الطبيب معالجَاً
مستلقياً تشكو أذى الأسنانِ ؟!
فكذاك مجلسُ شيخنا في داره
ورفوفُ كتْبٍ زينةُ الحيطانِ
فتراه يجلسُ ستَ عشرةَ ساعة
يتلو وينسخُ ساطراً ببنانِ !
لم يثنِ عزمتَه الفَتِيَّةَ ضعفُه
وسقامُه وتطاولُ الأسنانِ
عجباً لمن يحصي الدقائق عِدْةً
عند الطعام ومحضر الإخوانِ
لكنه للوقت أحرصُ ذاخرٍ
مستثمراً في النفع كلَّ أوانِ
دقاتُ قلب المرء قائلةٌ له
إن الحياةَ دقائقٌ وثوانِ([6])
فاعملْ لنفسك بعد موتك ذخْرها
فالأجرُ للإنسانِ عُمْر ثانِ(7)
ألا رحم الله الشيخ الألباني
إني وإن أبَّنتُه ورثيتُه
برصين شعرٍ محكمِ البنيانِ
لكنّ شعري لا يطيقُ وفاءه
ويكِلُّ من رقْم الخصال بناتي
ولقد حسبت الشيخَ قدَّم صالحاً
ينجيه يوم العرض والميزانِ
واللهُ عدلٌ من أتاه موحّداً
عمْرَ الحياة بطاعة الرحمنِ
فثوابه عند الإله مضاعفٌ
والله يجزيه على الإحسانِ
يا ربنا ! لطفاً بعبدك ناصرٍ
أمّنْه في قبرٍ من الفتَّانِ
يا ربنا ! أنت العليم بكسبه
فَقِهِ بفضلك زفرة النيرانِ
يا رب ! من حوض النبِيِّ فاسقِهِ
وأحبةً له بخير جنانِ
ثم الصلاةُ على النبي وآله
وسلامٌ ربي دائـــــــمَ السَّريانِ
([1]) قلت: الصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة أنهم لا يطلقون على الله عز وجل إلا ما وصف به نفسه وما وصفه به رسوله. وما سكت عنه الشرع فلا نتعرض له بنفي ولا إثبات ونؤمن بأن الله عز وجل ليس كمثله شيء وهو السميع البصير .
([2]) قرئت هذه القصيدة على شيخنا الألباني رحمه الله فبكى .
([3]) المقصود بالنجم الأول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله والنجم الثاني فضيلة الشيخ الألباني رحمه الله .
([4]) العيوق نجم أحمر مضيء في طرف المجرة الأيمن يتلو الثريا لا يبتعد عنها. والدَّبَران محركة: منزل للقمر.
([5]) وهو فضيلة الشيخ عبد الرحمن الباني رحمه الله.
([6])،(2) هذان البيتان ذكرهما الشاعر – وهما لغيره – وقد صاغ الثاني منهما ببعض التعديل.
مصادر الترجمة
«الألباني حياته وآثاره وثناء العلماء عليه»، للشيخ محمد بن إبراهيم الشيباني.
رسالة «صوت العرب تسأل ومحدث الشام يجيب».
«علماء ومفكرون عرفتهم» للشيخ محمد المجذوب رحمه الله.
«ترجمة موجزة لفضيلة محدث العصر الشيخ محمد ناصر الدين الألباني»، نشرت في مجلة «الجامعة السلفية» بالهند. كتبها الأستاذان الشيخ محمد عيد العباسي و الشيخ علي خشان بخط اليد وحررتها ببعض الإضافات.
ثبت مؤلفات الشيخ الألباني. للشمراني.
جهود الشيخ مُحَمَّدٍ نَاصِرِ الدِّينِ الأَلْبَانِيّ في خدمة السنة المطهَّرة، للدكتور خالد علي، ضمن بحوث ندوة (الجهود المبذولة في خدمة السنة النبوية، من بداية القرن الرابع عشر الهجري إلى اليوم)، في الإمـــارات.
منهج الإمام المجدد المحدث الألباني في تعليل الحديث للدكتور محمد حمدي أبو عبدة، رسالة دكتوراة، صدر عن دار اللؤلؤة.
مقالات الألباني؛ جمعها: الشيخ نور الدين طالب، وقد جمع ما كتبه الشيخ قديمًا في: المجلات، والصحف، والدوريات.
وينظر:
جهود الألباني في بيان عقيدة السلف الصالح في الإيمان بالله رب العالمين، لأحمد صالح الجبوري، الدار الأثرية، الأردن،1430هـ، ط1.
الإمام العلَّامة محمد ناصر الدين الألباني محدثًا، للدكتور زكي صلاحي رسالة دكتوراه، في جامعة كاليكوت بالهند، يسر الله نشرها.