لقد توفي شيخنا ـ بعد مرض أصابه قرابة عامين جعله الله كفارة له ـ بعد عصر السبت في 22 جمادى الثانية1420هـ، الموافق 2 تشرين الأول (اكتوبر) 1999م، في مدينة عمَّان عاصمة الأردن، عن عمر يقارب 88 عامًا قمريًا، ودفن فيها ـ لَحدًا ـ بعد صلاة العشاء بعد تكفينه فورًا، بناءً على وصيته بالتعجيل.
كما شيِّعت جنازته حملًا على الأكتاف، خلافًا للمتبع في عدد من البلدان بالسيارات، وشهد جنازته عدد غفير مع ضيق الوقت في التبليغ.
وأعقب شيخنا رحمه الله سبعة أبناء وست بنات وزوجة واحدة وهذه أسماء ذريته مرتبين:
عبد الرحمن، وعبد اللطيف، وعبد الرزاق، وعبد المصور، وعبد الأعلى، ومحمد، وعبد المهيمن، وأنيسة، وآسية، وسلامة، وحسان، وسكينة، وهبة الله.
جعلهم الله جميعًا من الذرية الصالحة، وبارك فيهم، ورزقهم السير على خط أبيهم ونهجه آمين.
ولقد كان لوفاة شيخنا العلامة الألباني رحمه الله الوقع الكبير على العلماء وطلبة العلم ومحبيه في أنحاء المعمورة.
وإن لله ما أخذ ولله ما أعطى، وكل شيء بأجل مسمى.
ونسأل الله عز وجل أن يجعله في العليين، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا، ونسأل الله عز وجل أن يخلفه مِنْ بعده مَنْ هو خيرٌ منه في خدمة الإسلام والمسلمين، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها([1]).
تعزية خادم الحرمين الشريفين وولي عهده:
لقد عزى خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود وصاحب السمو الملكي ولي العهد وسمو النائب الثاني حفظهم الله ووفقهم لخدمة دينه بوفاة العلامة الألباني. ونقلت تعازيهم لأبناء الشيخ سفارة المملكة العربية السعودية بعمان في زيارة خاصة لبيت الشيخ للتعزية. فجزاهم الله خيرًا على تقديرهم للعلم وأهله.
ومن أصداء وفاته:
ـ قال شيخنا العلامة محدث الحجاز وفقيهها عبد المحسن العباد حفظه الله([2]): «إنه فقيد الجميع، العالم الكبير الشهير، العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله وغفر له، وله جهود عظيمة في خدمة السنة، وفي العناية بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبيان مصادر تلك الأحاديث والكتب التي ذَكَرَتها، وبيان درجتها من الصحة والضعف. وخدمته للسنة مشهورة. ودافع عن عقيدة السلف ومنهج السلف دفاعًا عظيمًا.
ولا يستغني طلبة العلم عن الرجوع إلى كتبه وإلى مؤلفاته، فإن فيها الخير الكثير، وفيها العلم الغزير. ومؤلفاته مشهورة عظيمة، ولا تخلو المكتبات غالبًا من كتبه، أو من وجود شيء منها. وله عناية بالبحث وبالكتابة والرجوع لكلام العلماء والاستفادة منهم.
وإن ذهاب مثل هذا العالم، هو في الحقيقة نقص كبير على المسلمين ومصيبة، وثلمة في الدين، ونسأل الله أن يوفق تلاميذه، للسير على منهجه.
ولقد ذهب في النصف الأول من هذا العام عَلَمان مَنَّ الأعلام، وفَذَّان من الأفذاذ ؛ إذ ذهب في المحرم سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله، وذهب في جمادى الآخرة العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله، وتخلل هذه الفترة موت العلامة الشيخ صالح بن غصون، وموت الشيخ العلامة عطية محمد سالم رحمهم الله. وهكذا يذهب العلم بموت العلماء، اللهم عوض المسلمين خيرًا واغفر لهم وارحمهم.
وإن هذين العالمين ـ يعني سماحة الشيخ ابن باز وفضيلة الشيخ الألباني ـ من العلماء الكبار الجهابذة المحققين، الذين لهم العناية الفائقة والهمة العالية، وكل منهما له جهود عظيمة في العقيدة، و قد حصل على يديهما الخير الكثير، وحصل بسببهما النفع العظيم للإسلام والمسلمين، فجزاهما الله أحسن الجزاء، وغفر لهما وتجاوز عن سيئاتهما.
والعلامة الألباني رحمه الله وإن كان له بعض الآراء التي نعتبره قد أخطأ فيها لكنها مغمورة في بحور صوابه، وما حصل على يديه من النفع الكبير والخير للمسلمين في خدمة سنة المصطفى صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. وهذه الأمور التي حصلت منه، والتي نعتبرها أخطاءً هو مجتهد فيها، وهو مأجور على اجتهاده، ولكن ذلك لا يجعل الإنسان يتساهل أو يتهاون في علمه الكثير وفي علمه الغزير وفي نفعه العظيم وفي نفعه العميم ـ إذ (كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر) ـ فإنه بحق من العلماء الأفذاذ، الذين كانوا في هذا العصر، والذين لهم جهود في خدمة سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
ونسأل الله أن يعوض المسلمين خيرًا، وأن يوفق طلبة العلم لتحصيل العلم النافع والعمل به، وأن يختم لنا بخاتمة السعادة، إنه جواد كريم. انتهى
قال معالي الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ ـ وزير الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية ـ بهذه المناسبة:«الحمد لله على قضائه وقدره ـ وإنا لله وإنا إليه راجعون ـ، ولا شك أن فقد العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني مصيبة، لأنه علم من أعلام الأمة، ومُحدِّث من مُحدِّثيهم، وبهم حفظ الله جل وعلا هذا الدين، ونشر الله بهم السنة.. وأضاف معاليه:
إن للفقيد مآثر عديدة في نصرة العقيدة السلفية ومنهج أهل الحديث، وله مؤلفات عظيمة عديدة في خدمة الحديث وتمييز الحديث الصحيح من الضعيف، وأثره في العالم الإسلامي كبير، ويعد من علماء الأمة بمآثره الجليلة والعظيمة. والحديث عنه في مثل هذا الموقف يصعب؛ لأن فقده على الأنفس عزيز، ولهذا لا نملك في هذا المقام إلا أن ندعو له بالمغفرة والرضوان، وأن يجزيه خير الجزاء في الدعوة إلى عقيدة السلف، وأسأل الله أن يجعل البركة في علماء الأمة وأن يوفق تلاميذه في إتمام رسالته»([3]).
ـ قال معالي الشيخ الدكتور عبد الله صالح العبيد أمين العام لرابطة العالم الإسلامي ووزير التربية والتعليم سابقًا : «إن الله لا ينزع العلم من صدور الرجال، وإنما بموت العلماء. ولا شك بأن فقد الأمة الإسلامية بوفاة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني تعتبر خسارة فادحة، ولا سيما أن موت فضيلته وانتقاله إلى ربه يأتي بعد كوكبة من العلماء الذين حملوا كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كما حملوا الدعوة الإسلامية في وقت كانت أشد ما تكون الحاجة إليهم وإلى أمثالهم، ونسأله جل وعلا أن يكون في تلاميذ الشيخ وتلاميذ أصحاب الفضيلة الذين سبقوه ما يعوض شيئًا من مصاب الأمة، بحيث يحملون لواء الدعوة إلى الله عز وجل، فيكونون خير خلف لخير سلف، كما نسأله سبحانه وتعالى أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته وجميل غفرانه، وأن يلهم ذويه ومحبيه الصبر والسلوان. وشواهد الشيخ وإسهاماته جليلة وكبيرة من خلال عمله في المؤسسات الإسلامية الكبرى مثل الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وغيرها من المؤسسات الإسلامية الكبرى.
وقد كان فضيلته رحمه الله موضع التقدير والاحترام من قبل المسلمين أفرادًا وهيئات وجماعات ودولًا. وقد توج ذلك بمنحه جائزة الملك فيصل لخدمته الجليلة للدراسات المتعلقة بالحديث»([4]).
ـ معالي الشيخ العلامة عبد الله بن سليمان المنيع عضو هيئة كبار العلماء حفظه الله حيث قال: لقد فجع معشر المسلمين بفقد عالم كبير من السلفيين الذي كان له باع طويل في محاربة البدع والضلالات، والرد على أصحابها من كتاب الله وسنة رسوله، هذا فضلًا عما لفضيلته من تحقيقات صائبة في سبيل تمحيص السنة والتبصير بصحيحها من سقيمها، فرحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته، وعوض المسلمين عنه بمن يسد مسده فيما يتعلق بالتحقيق في علوم الحديث، ومحاربة أهل الضلالات من أهل البدع والمحدثات، ممن ضلوا وأضلوا. فإنا لله وإنا إليه راجعون… ودعا فضيلته للشيخ بقوله : اللهم اغفر له وارحمه واجعل الجنة مثواه واجزه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء وأَتَمَّه والله المستعان([5]).
ـ معالي الدكتور الحبيب بلخوجة ـ الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي ـ: «العلامة الشيخ الألباني عرفناه عن طريق عنايته ودراسته للحديث الشريف، واشتغاله بفنونه المختلفة، وانقطاعه للدراسات العلمية الشرعية، وعمله الطويل في المكتبة الظاهرية في دمشق.
وأضاف: إننا فقدنا بموته رجلًا سباقًا إلى خدمة العالم الإسلامي، فكان بذلك مرجعًا لعدد كبير من الأساتذة والشيوخ.. تغمده الله برحمته ورضوانه، وأسكنه فسيح جناته» ([6]).
ـ معالي الأستاذ كامل الشريف، وزير الأوقاف الأردني الأسبق، والأمين العام للمجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة: «إن وفاة الشيخ محمد الألباني خسارة للأمة الإسلامية، لما كان يتمتع به رحمه الله من شخصية فاعلة، وقوية ومؤثرة. وهناك إجماعا على صفاء نيته وإخلاصه في علمه، ولقد كنت أتابع ما كتبه رحمه الله، فنسأل الله أن يتغمده برحمته، ويسكنه فسيح جناته، وأن يؤجره على علمه إنا لله وإنا إليه راجعون» ([7]).
ـ الدكتور حامد أحمد الرفاعي، الأمين العام المساعد للمؤتمر الإسلامي: «لقد فجعنا بوفاة الشيخ المجدد فرحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته، ولقد كان للشيخ رحمه الله دور كبير في خدمة الحديث الشريف والسنة المطهرة. ولقد سمعت سماحة الشيخ العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله وهو يقول عن الشيخ الألباني بأنه مجدد هذا العصر في علوم الحديث، ولا شك بأنه رحمه الله كان له دور كبير في خدمة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والسنة المطهرة، وترك كمَّا كبيرًا من الكتب المحققة والمؤلفة ولا سيما في الأحاديث الضعيفة، إضافة إلى الصحاح التي أفرزها وعلق عليها ببيان صحيحها من ضعيفها، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء» ([8]).
ختامًا:
هذا بعض ما يجب عليَّ من الوفاء بحق شيخي وإمامي وقدوتي العلامة أبي عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله، فجزاه الله خير الجزاء لما قدّم من الدعوة إلى الوحيين ونشر السنة النبوية والذّبِّ عنها وتغمده بواسع رحمته.
والحمد لله رب العالمين.
[1]) هذا اقتباس مما بادرني به شيخنا رحمه الله عندما وصل إليه خبر وفـاة شيخنا ابن بازـ رحمه الله.
([2]) نقلتها من كلام الشيخ في درسه في المسجد النبوي بعد مغرب يوم الأحد 23 جمادى الآخرة وضممت معها بتنسيق ما سمعت منه في بيته يوم الاثنين 24 جمادى الآخرة، ولقد كتبت بعد وفاة شيخنا الألباني ترجمة موجزة بعنوان «شذرات من ترجمة شيخنا أستاذ العلماء، عمدة المحققين، مجدد هذا القرن الشيخ العلامة محدث العصر محمد ناصر الدين بن نوح نجاتي الألباني». وقرئت على شيخنا عبد المحسن بن حمد العباد حفظه الله واستحسنها.
([3]) جريدة عكاظ في 23 / 6 / 1420هـ.
([4]) جريدة عكاظ في 23 / 6 / 1420هـ.
([5]) جريدة المدينة في 24 / 6 / 1420هـ.
([6]) جريدة عكاظ في 23 / 6 / 1420هـ.
([7]) جريدة عكاظ في 23 / 6 / 1420هـ.
([8]) المصدر السابق.