ولادته:
ولد أستاذ العلماء، عمدة المحققين، ناصر السنة، قامع البدعة، محدث العصر، الفقيه، العلامة، القدوة، الإمام، المجدد، شيخنا: أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين بن نوح نجاتي بن آدم الألباني رحمه الله سنة 1332هـ الموافق 1914م في مدينة «أشقودرة» التي كانت حينئذ عاصمة «ألبانيا».
نشأته:
نشأ الشيخ في أسرة فقيرة متدينة، عليها الطابع العلمي، إذ تخرج والده الحاج نوح نجاتي رحمه الله في المعاهد الشرعية في العاصمة العثمانية «الأستانة»، ورجع إلى بلاده حيث صار مرجعًا للناس يعلمهم ويرشدهم.
بعد أن تولى حكم ألبانيا «أحمد زوغو»، سار في البلاد في طريق تحويلها إلى بلاد علمانية تُقلد الغرب في جميع أنماط حياته، فتوجس والد شيخنا خيفة وتوقع أن يسوء الحال جدًا، فقرر الهجرة إلى بلاد الشام فرارًا بدينه، وخوفًا على أولاده من الفتن، ووقع اختياره على مدينة دمشق، التي تعرف عليها من قبل في طريق ذهابه وإيابه إلى الحج، ودفَعَه إلى ذلك ما ورد في فضل هذه البلاد من الأحاديث ودعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لها.
يقول شيخنا رحمه الله: «وبهذه المناسبة يحق لي أن أقول بياناً للتاريخ، وشكراً لوالدي رحمه الله تعالى: وكذلك في الحديث بشرى لنا: آلَ الوالد الذي هاجر بأهله من بلده (أشقودرة) عاصمة (ألبانيا) يومئذٍ؛ فراراً بالدين من ثورة (أحمد زوغو) أزاغ الله قلبه، الذي بدأ يسير في المسلمين الألبان مسيرة سلفه (أتاتورك) في الأتراك، فجنيت بفضل الله ورحمته بسبب هجرته هذه إلى (دمشق الشام) ما لا أستطيع أن أقوم لربي بواجب شكره، ولو عشت عمر نوح عليه الصلاة والسلام؛ فقد تعلمت فيها اللغة العربية السورية أولاً، ثم اللغة العربية الفصحى ثانياً، الأمر الذي مكّنني أن أعرف التوحيد الصحيح الذي يجهله أكثر العرب الذين كانوا من حولي فضلاً عن أهلي وقومي؛ إلا قليلاً منهم…» ([1]).
دراسته وشيوخه:
أتم العلامة الألباني دراسته الابتدائية في مدرسة «جمعية الإسعاف الخيري» في دمشق بتفوق، ونظرًا لسوء المدارس النظامية من الناحية الدينية قرر والده عدم إكماله الدراسة ووضع له برنامجًا علميًا مركزًا قام من خلاله بتعليمه القرآن والتجويد والصرف وفقه المذهب الحنفي.
فلقد درس الشيخ على والده بعض علوم الآلة، كعلم الصرف، ودرس عليه أيضًا من كتب المذهب الحنفي «مختصر القدوري» وتلقى منه قراءة القرآن الكريم وختمه عليه بقراءة حفص عن عاصم تجويدًا.
كما درس على الشيخ سعيد البرهاني رحمه الله «مراقي الفلاح» في الفقه الحنفي، و«شذور الذهب» في النحو، وبعض كتب البلاغة المعاصرة.
وقد رغب العلامة المسند الشيخ محمد راغب الطباخ رحمه الله مؤرخ حلب الشهباء في لقاء شيخنا، وكان ذلك بواسطة الأستاذ محمد عبد القادر مبارك رحمه الله([2]).
وكان الألباني يومئذ شابًا في مقتبل العمر، وقد أظهر الشيخ راغب إعجابه بالشيخ الألباني لما سمعه عن نشاطه في الدعوة إلى الكتاب والسنة واشتغاله في علوم الحديث، ورغب في إجازته بمروياته وقدم إليه ثَبَته «الأنور الجلية في مختصر الأثبات الحلبية»، فلذا يعتبر الشيخ راغب شيخه في الإجازة.
يقول شيخنا رحمه الله: «ثم وفقني الله بفضله وكرمه دون توجيه من أحد منهم إلى دراسة الحديث والسنة أصولاً وفقهاً، بعد أن درست على والدي وغيره من المشايخ شيئاً من الفقه الحنفي وما يُعرف بعلوم الآلة؛ كالنحو، والصرف، والبلاغة، بعد التخرج من مدرسة (الإسعاف الخيري) الابتدائية، وبدأت أدعو مَن حولي مِن إخوتي وأصحابي إلى تصحيح العقيدة، وترك التعصب المذهبي، وأُحذّرهم من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وأُرغِّبهم في إحياء السنن الصحيحة التي أماتها حتى الخاصة منهم» ([3]).
وهذا إسناده إلى مسند الإمام أحمد من طريق شيخه الطباخ:
نظرًا لمكانة الألباني في السنة النبوية، وجهوده فيها، ولإحاطته بقدر وافر بها، ولكونه إمام السنة في هذا العصر، رأيت ذكر سنده لحديث من «مسند الإمام أحمد» الذي يعد من أضخم الموسوعات الحديثية المدونة المسندة.
وهذا سنده إلى حديث منه: يروي شيخنا الألباني، عن مُسند الديار الحلبية الشيخ محمد راغب الطباخ، عن محدث الديار الشامية أبي المعالي محمد بدر بن يوسف الحسني الدمشقي، عن والده، عن وجيه الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن الكزبري، عن أبيه محمد بن عبد الرحمن الكزبري عن جده: زين الدين عبد الرحمن بن محمد الكزبري، عن أبي المواهب محمد بن عبد الباقي، عن أبيه عبد الباقي البعلي الحنبلي، عن أبي حفص عمر القاري، عن البدر الغزّي، عن زكريا الأنصاري، عن عبد الرحيم بن محمد الحنفي، عن أبي العباس أحمد الجُوخي، عن أم محمد زينب بنت مكي، عن أبي علي حنبل الرصافي، عن أبي القاسم هبة الله الشيباني، عن أبي علي الحسن بن المذهب التميمي، عن أبي بكر أحمد القطيعي، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل، عن الإمام أحمد إمام أهل السنة والجماعة قال: حدثنا سفيان عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَمَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»([4]).
ح وبالسند إلى الحافظ ابن حجر، عن أبي المعالي عبد الله بن عمر بن المبارك، عن أبي العباس أحمد بن محمد الحلبي، عن النجيب عبد اللطيف الحراني، عن عبد الله بن أحمد بن صاعد الحربي، عن أبي القاسم هبة الله الكاتب به.
وتقع للشيخ الألباني الرواية بأعلى من هذا السند. ومن رام البسط يجده في كتب الأثبات([5]).
وهذه نخبة من كتب الأثبات التي يتصل سنده بها:
ـ «الأنوار الجلية في مختصر الأثبات الحلبية»، للشيخ العلامة محمد راغب الطباخ رحمه الله.
يرويه شيخنا عن مؤلفه.
ـ «فهرس الفهارس»، للإمام المحدث عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني رحمه الله.
يرويه شيخنا عن شيخه راغب الطباخ عن مؤلفه.
ـ «الإرشاد إلى مهمات الإسناد»، و«إتحاف النبيه فيما يحتاج إليه المحدث والفقيه»، كلاهما للعلامة المحدث الشاه ولي الله الدهلوي رحمه الله.
يرويه شيخنا الألباني عن شيخه محمد راغب الطباخ، عن الشيخ المحدث أبي بكر بن محمد عارف خوقير المدرس بالمسجد الحرام، عن رئيس المحدثين السيد محمد نذير حسين، عن المحدث الشاه محمد إسحاق الدهلوي، عن جده من جهة الأم الشيخ عبد العزيز الدهلوي، عن أبيه الشاه ولي الله الدهلوي رحمهم الله.
ـ «صلة الخلف بموصول السلف»، للمحدث العلامة محمد بن سليمان الروداني رحمه الله.
يرويه شيخنا بالإسناد السابق إلى الشاه ولي الله الدهلوي، عن محمد وفد الله بن الشيخ محمد بن سليمان وأبي طاهر الكوراني، كلاهما عن والد الأول مؤلف الصلة.
ـ «المعجم المفهرس»، للحافظ ابن حجر العسقلاني.
يرويه شيخنا عن شيخه راغب الطباخ، عن مسند الديار المغربية عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني، أخبرنا الشيوخ أبو النصر محمد الخطيب وعبد الله بن درويش السكري ومحمد سعيد الحبال الدمشقيون، قالوا أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن الكزبري، عن أبيه، عن جده عبد الرحمن الكزبري، عن أبي المواهب محمد بن عبد الباقي، عن أبيه عبد الباقي البعلي الحنبلي، عن النجم محمد الغزي وأبي حفص عمر القاري، كلاهما عن البدر محمد الغزي والد الأول، عن زكريا الأنصاري، عن الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله.
ـ «إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر»، للعلامة القاضي محمد بن على الشوكاني.
يرويه عن شيخه محمد راغب الطباخ، عن الشيخ أبي بكر بن محمد عارف خوقير، عن المحدث الشيخ حسين بن محسن الأنصاري، عن العلامة محمد بن ناصر الحازمي والقاضي أحمد بن الإمام الشوكاني، كلاهما عن الإمام الشوكاني رحمه الله.
ويروي شيخنا الألباني غير ذلك من الأثبات كما هو مثبت في: «الأنوار الجلية في مختصر الأثبات الحلبية»، فليراجعه من شاء.
مهنته:
بدأ شيخنا بمهنة النجارة ولكنها لم تناسبه، ثم أخذ شيخنا الألباني عن أبيه مهنة إصلاح الساعات فأجادها، حتى صار من أصحاب الشهرة فيها، وأخذ يكسب رزقه منها، وكان تعلمه هذه المهنة وهجرته إلى بلاد الشام نعمتين كبيرتين، أنعم الله بهما عليه، وكان لوالده الفضل في ذلك عليه بعد الله عز وجل؛ فقد وفرت له هذه المهنة وقتًا جيدًا للمطالعة والدراسة، وهيأت له هجرته معرفة اللغة العربية، والاطلاع على العلوم الشرعية من مصادرها الأصلية = إذ يقول شيخنا رحمه الله حول كيفية جمعه بين المهنة وخدمة السنة:
«ومن توفيق الله تعالى وفضله علي أن وجهني منذ أول شبابي إلى تعلم هذه المهنة، ذلك لأنها حرة لا تتعارض مع جهودي في علم السنة، فقد أعطيت لها من وقتي كل يوم ما عدا الثلاثاء والجمعة ثلاث ساعات زمنية فقط. وهذا القدر يمكنني من الحصول على القوت الضروري لي ولعيالي وأطفالي على طريقة الكفاف طبعًا، فإن من دعائه عليه الصلاة والسلام «اللهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا»، رواه الشيخان.
وسائر الوقت أصرفه في سبيل طلب العلم والتأليف ودراسة كتب الحديث، وبخاصة المخطوطات منها في المكتبة الظاهرية، ولذلك فإنني ألازم هذه المكتبة ملازمة موظفيها! ويتراوح ما أقضيه من الوقت فيها ما بين ست ساعات إلى ثمان ساعات يوميًّا، على اختلاف النظام الصيفي والشتوي في الدوام فيها»([6]).
تَوَجُّهه إلى علم الحديث واهتمامه به:
توجه الشيخ لعلم الحديث وهو في قرابة العشرين من عمره متأثرًا بأبحاث مجلة «المنار» التي كان يصدرها الشيخ العلامة محمد رشيد رضا رحمه الله، إذ يقول شيخنا رحمه الله:«فإذا كان من الحق أن يعترف أهل الفضل بالفضل لذوي الفضل، فإنني بفضل الله عز وجل بما أنا فيه من الاتجاه إلى السلفية أولًا وإلى تمييز الأحاديث الضعيفة ثانيًا، يعود الفضل في ذلك إلى السيد رضا رحمه الله عن طريق أعداد مجلة «المنار» التي وقفت عليها في أول اشتغالي بطلب الحديث»([7]).
وإني أذكر كيفية تعرف شيخنا رحمه الله على مجلة «المنار» أول مرة لما فيـها من العِبَر الكثيرة إذ يقول شيخنا رحمه الله: «أول ما أولعت بمطالعته من الكتب القصص العربية كالظاهر وعنترة والملك سيف وما إليها. ثم القصص البوليسية المترجمة كأرسين لوبين وغيرها، ثم وجدت نزوعًا إلى القراءات التاريخية.
وذات يوم لاحظت بين الكتب المعروضة لدى أحد الباعة جزءًا من مجلة «المنار» فاطلعت عليه ووقعت فيه على بحث بقلم السيد رشيد رضا يصف فيه كتاب «الإحياء» للغزالي، ويشير إلى محاسنه ومآخذه.
ولأول مرة أواجه مثل هذا النقد العلمي، فاجتذبني ذلك إلى مطالعة الجزء كله، ثم أمضي لأتابع موضوع تخريج الحافظ العراقي على «الإحياء»، ورأيتني أسعى لاستئجاره لأني لا أملك ثمنه. ومن ثَمَّ أقبلت على قراءة الكتاب، فاستهواني ذلك التخريج الدقيق حتى صممت على نسخه، وهكذا جهدت حتى استقامت لي طريقة صالحة تساعد على تثبيت تلك المعلومات، وأحسب أن هذا المجهود الذي بذلته في دراستي تلك هو الذي شجعني وحبب إليَّ المضي في ذلك، إذ وجدتني أستعين بشتى المؤلفات اللغوية والبلاغية وغريب الحديث لتفهُّم النص إلى جانب تخريجه»([8]).
والذي ينظر إلى جهد الشيخ في هذا العمل يعجب لنباهته وحسن اطلاعه في مثل ذلك السن، ويزداد عجبه من شدة إتقانه لترتيب الكتاب وتنسيقه وحسن خطه.
وكان ذلك العمل له فاتحة خير كبير، فقد ازداد إقبالًا على علم الحديث، حتى إن والده رحمه الله كان ينكر عليه اشتغاله به قائلًا له: «إن علم الحديث صنعة المفاليس».
ورغم هذا فقد زاد حب الشيخ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمييز صحيحه من ضعيفه. وبما أنه كان يعيش في كنف والده، الذي يعول أسرة كبيرة فلم يكن بمقدوره أن يشتري ما يحتاج إليه من الكتب التي لا يجدها في مكتبة أبيه العامرة بكتب المذهب الحنفي خاصة. فلذلك توجه شطر المكتبة الظاهرية، وكانت من نعم الله الكبرى عليه إذ كان يجد فيها كل كتاب لا يستطيع شراءه، كما كان يستعين أحيانًا ببعض المكتبات التجارية الخاصة، فقد كان يستعير منها بعض الكتب مثل: مكتبة سليم القصيباتي رحمه الله، والمكتبة العربية الهاشمية لعبيد إخوان.
ولقد أصبح الاهتمام بالحديث وعلومه شغله الشاغل، حتى كان يغلق محله، ويذهب إلى المكتبة الظاهرية، ويبقى فيها اثنتي عشرة ساعة، لا يفتُر عن المطالعة والتعليق والتحقيق إلا أثناء فترات الصلاة.
وكان يتناول طعامه اليسير في المكتبة في كثير من الأحيان، حتى إن إدارة المكتبة وافقت على تخصيص غرفة خاصة للشيخ، ليقوم فيها بأبحاثه العلمية المفيدة لما رأت فيه من الحرص الشديد، ووافقت على منحه مفتاح المكتبة، فكان يدخل قبل الموظفين صباحًا في بعض السنين، وهم ينصرفون إلى بيوتهم ظهرًا ثم لا يعودون، ولكن الشيخ يبقـى في المكتبة ما شاء الله له البقاء فكان ربما يصلي العشاء ثم ينصرف.
وإن كل من رآه في المكتبة آنذاك يعرف مدى اجتهاده وحرصه على الاستفادة من وقته، حتى إن الكثير من الناس كانوا يحملون عليه لكثرة انهماكه في المطالعة والتأليف أثناء زيارتهم له في المكتبة، وبالطبع كان للشيخ عذره لأنه لا يريد إضاعة الوقت بالترحاب والمجاملة، وكان يجيب عن بعض الأسئلة التي توجه إليه وهو ينظر في الكتاب، دون أن يرفع بصره إلى محدثه بأوجز عبارة تؤدي الغرض. وكان من ثمرة هذا الجهد المبارك تخريج أحاديث البيوع في «موسوعة الفقه الإسلامي»، وغيرها من المؤلفات كما سيأتي إن شاء الله.
قصة الورقة الضائعة:
إن من يقرأ كلام شيخنا الألباني رحمه الله في مقدمة «فهرس مَخطوطَات دَار الكتُب الظَّاهِريَّة»(ص8)، حول قصاصة الورقة الضائعة يقدر الدأب الطويل والجهد الضخم الذي قام به في خدمة السنة المطهرة، وهذه هي قصتها بنَصِّها: «ولم يكن ليخطر في بالى، وضع مثل هذا الفهرس، لأنه ليس من اختصاصي، وليس عندي متسع من الوقت ليساعدني عليه، ولكن الله تبارك وتعالى إذا أراد شيئا هيأ أسبابه فقد ابتليت بمرض خفيف أصاب بصرى، منذ أكثر من اثني عشر عاماً، فنصحني الطبيب المختص بالراحة، وترك القراءة، والكتابة، والعمل في المهنة (تصليح الساعات) مقدار ستة أشهر.
فعملت بنصيحته أول الأمر، فتركت ذلك كله نحو أسبوعين، ثم أخذت نفسى تراودني، وتزين لي أن أعمل شيئاً في هذه العطلة المملة، عملاً لا ينافي بزعمي نصيحته، فتذكرت رسالة مخطوطة في المكتبة، اسمها «ذم الملاهي» للحافظ ابن أبي الدنيا، لم تطبع فيما أعلم يومئذ، فقلت: ما المانع من أن أكلف من ينسخها لي؟ وحتى يتم نسخها، ويأتي وقت مقابلتها بالأصل، يكون قد مضى زمن لا بأس به من الراحة، فبإمكاني يومئذ مقابلتها، وهي لا تستدعي جهداً ينافي الوضع الصحي الذى أنا فيه، ثم أحققها بعد ذلك على مهل، وأخرج أحاديثها، ثم نطبعها، وكل ذلك على فترات لكي لا أشق على نفسي! فلما وصل الناسخ إلى منتصف الرسالة، أبلغني أن فيها نقصاً، فأمرته بأن يتابع نسخها حتى ينتهي منها، ثم قابلتها معه على الأصل، فتأكدت من النقص الذي أشار اليه، وأقدره بأربع صفحات في ورقة واحدة في منتصف الكراس، فأخذت أفكر فيها وكيف يمكنني العثور عليها؟ والرسالة محفوظة في مجلد من المجلدات الموضوعة في المكتبة تحت عنوان (مجاميع)، وفي كل مجلد منها على الغالب عديد من الرسائل والكتب، مختلفة الخطوط والمواضيع، والورق لوناً وقياساً، فقلت في نفسي: لعل الورقة الضائعة قد خاطها المجلد سهواً في مجلد آخر من هذه المجلدات! فرأيتني مندفعاً بكل رغبة ونشاط باحثاً عنها فيها على التسلسل.
ونسيت أو تناسيت نفسي، والوضع الصحي الذي أنا فيه! فإذا ما تذكرته، لم أعدم ما أتعلل به، من مثل القول بأن هذا البحث لا ينافيه لأنه لا يصحبه كتابة ولا قراءة مضنية!.
وما كدت أتجاوز بعض المجلدات، حتى أخذ يسترعي انتباهي عناوين بعض الرسائل والمؤلفات، لمحدثين مشهورين، وحفاظ معروفين، فأقف عندها، باحثاً لها، دارساً إياها، فأتمنى لو أنها تنسخ وتحقق، ثم تطبع، ولكني كنت أجدها في غالب الأحيان ناقصة الأطراف والأجزاء، فأجد الثاني دون الأول مثلاً، فلم أندفع لتسجيلها عندي، وتابعت البحث عن الورقة الضائعة، ولكن عبثا حتى انتهت مجلدات (المجاميع) البالغ عددها (152) مجلداً، بيد أني وجدتني في أثناء المتابعة أخذت أسجل في مسودتي عناوين بعض الكتب التي راقتني، وشجعني على ذلك، أنني عثرت في أثناء البحث فيها على بعض النواقص التي كانت قبل من الصوارف عن التسجيل.
ولما لم أعثر على الورقة في المجلدات المذكورة، قلت في نفسى: لعلها خيطت خطأ في مجلد من مجلدات كتب الحديث، والمسجلة في المكتبة تحت عنوان (حديث)، فأخذت أقلبها مجلداً مجلداً، حتى انتهيت منها دون أن أقف عليها! ولكني سجلت أيضا عندي ما شاء الله تعالى من المؤلفات والرسائل.
وهكذا لم أزل أعلل النفس وأمنيها بالحصول على الورقة، فأنتقل في البحث عنها بين مجلدات المكتبة ورسائلها من علم إلى آخر؛ حتى أتيت على جميع المخطوطات المحفوظة بالمكتبة، والبالغ عددها نحو عشرة آلاف مخطوط، دون أن أحظى بها !.
ولكني لم أيأس بعد، فهناك ما يعرف بـ (الدست)، وهو عبارة عن مكدسات من الأوراق والكراريس المتنوعة التي لا يعرف أصلها، فأخذت في البحث فيها بدقة وعناية، ولكن دون جدوى.
وحينئذ يئست من الورقة، ولكني نظرت فوجدت أن الله تبارك وتعالى، قد فتح لي ـ من ورائها ـ باباً عظيماً من العلم، طالما كنت غافلاً عنه كغيرى، وهو أن في المكتبة الظاهرية كنوزاً من الكتب والرسائل في مختلف العلوم النافعة، التي خلفها لنا أجدادنا رحمهم الله تعالى، وفيها من نوادر المخطوطات التي قد لا توجد في غيرها من المكتبات العالمية، مما لم يطبع بعد.
فلما تبين لي ذلك، واستحكم في قلبي، استأنفت دراسة مخطوطات المكتبة كلها من أولها إلى آخرها، للمرة الثانية، على ضوء تجربتي السابقة التي سجلت فيها ما انتقيت فقط من الكتب، فأخذت أسجل الآن كل ما يتعلق بعلم الحديث منها مما يفيدني في تخصصي؛ لا أترك شاردة ولا واردة، إلا سجلته، حتى ولو كانت ورقة واحدة، من كتاب أو جزء مجهول الهوية! وكأن الله تبارك وتعالى كان يُعدُّني بذلك كله للمرحلة الثالثة والأخيرة، وهي دراسة هذه الكتب، دراسة دقيقة، واستخراج ما فيها من الحديث النبوي مع أسانيده وطرقه، وغير ذلك من الفوائد.
فإني كنت في أثناء المرحلة الثانية، التقط نتفاً من هذه الفوائد التي أعثر عليها عفواً، فما كدت أنتهي منها حتى تشبعت بضرورة دراستها كتاباً كتاباً، وجزءاً جزءاً.
ولذلك فقد شمرت عن ساعد الجد، واستأنفت الدراسة للمرة الثالثة، لا أدع صحيفة إلا تصفحتها، ولا ورقة شاردة إلا قرأتها، واستخرجت منها ما أعثر عليه من فائدة علمية، وحديث نبوي شريف، فتجمع عندي بها نحو أربعين مجلداً، في كل مجلد نحو أربعمائة ورقة، في كل ورقة حديث واحد، معزوًّا إلى جميع المصادر التي وجدتها فيها، مع أسانيده وطرقه، ورتبت الأحاديث فيها على حروف المعجم، ومن المجلدات أغذي كل مؤلفاتي ومشاريعي العلمية، الأمر الذى يساعدني على التحقيق العلمي، الذي لا يتيسر لأكثر أهل العلم، لا سيما في هذا الزمان الذي قنعوا فيه بالرجوع إلى بعض المختصرات في علم الحديث وغيره من المطبوعات! فهذه الثروة الحديثية الضخمة التي توفرت عندي؛ ما كنت لأحصل عليها، لو لم ييسر الله لي هذه الدراسة بحثاً عن الورقة الضائعة! فالحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات».
تدريسه في الجامعة الإسلامية بالمدينة([9]):
بتوفيق الله تعالى، ثم بفضل ذلك الجهد المتواصل، ظهر للشيخ مؤلفات نافعة في الحديث والفقه والعقائد وغيرها، تدل أهل العلم والفضل على ما حباه الله من فهم صحيح، وعلم غزير، ودراية فائقة بالحديث وعلومه ورجاله، بالإضافة إلى منهج علمي سديد يجعل الكتاب والسنة حكمًا وميزانًا في كل شيء، مسترشدًا بفهم السلف الصالح وطريقتهم في التفقه واستنباط الأحكام.
هذا المنهج القويم هو الذي سار عليه كثير من المحققين من أهل العلم وبخاصة شيخ الإسلام ابن تيمية وتلامذته ومن تبعهم على ذلك. كل هذا جعل الشيخ علمًا ذائع الصيت، يرجع إليه أهل العلم، ويعرف قدره المشرفون على المراكز العلمية مما شجع المشرفين على الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية حين تأسيسها وعلى رأسهم سماحة الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله رئيس الجامعة الإسلامية والمفتي العام للمملكة العربية السعودية آنذاك أن يقع اختيارهم على الشيخ الألباني ليتولى تدريس الحديث وعلومه وفقهه بالجامعة.
وبقي شيخنا في الجامعة الإسلامية ثلاث سنوات من عام 1381هـ حتى آخر عام 1383هـ يدرس الحديث وعلومه، وكان خلالها مثالًا يقتدى به في الجد والتواضع، وحسن الخلق، وكان ذلك يتجلى في جلوسه مع الطلاب خلال أوقات الراحة بين الدروس، وفي الرحلات التي تنظمها الجامعة. مما كان له الأثر الكبير على الطلاب آنذاك مما جعل طائفة منهم من البارزين في العلم والدعوة إلى الله عز وجل على بصيرة. كما كان عضوًا في مجلس الجامعة آنذاك.
عودة الشيخ إلى دمشق([10]):
لما رجع الشيخ إلى دمشق رجع أشد همة، وأمضى عزيمة، إلى مكانه المخصص له في المكتبة الظاهرية، وأنكب على الدراسة والتأليف، وفرغ له كل وقته وترك محل إصلاح الساعات لأحد إخوانه، ثم لابنه بعد وفاة أخيه رحمه الله.
وقد أتاح له هذا التفرغ أن يتحف العالم الإسلامي بالمزيد من مؤلفاته النافعة، وتحقيقاته القيمة، التي سنذكرها في أثناء هذه الترجمة إن شاء الله.
([1]) «السلسلة الصحيحة» (7/1/615 ـ 617)، حديث (3203).
([2]) له ترجمة في «علماء ومفكرون عرفتهم» (1/229)، للشيخ محمد المجذوب.
([3]) «السلسلة الصحيحة» (7/1/615 ـ 617)، حديث (3203).
([4]) رواه أحمد (5/330)، برقم: (22797). وانظر للتأمل في السند «الأنوار الجلية في مختصر الأثبات الحلبية» (ص44). و«مختصر رياض الجنة بآثار أهل السنة» لعبد الباقي الحنبلي (ص72). و«فهرس الفهارس» للكتاني (1/448).
([5]) انظر فهرس الفهارس للكتاني (1/448). ورياض الجنة بآثار أهل السنة (ص50).
[6]) «حياة الألباني وآثاره» لمحمد بن إبراهيم الشيباني (ص46ـ47).
([7]) «حياة الألباني للشيباني» (1/401). كما نبه شيخنا رحمه الله على أخطاء رشيد رضا رحمه الله من ص (401 ـ 405).
([8]) «حياة الألباني وآثاره» (ص46ـ47).
([9]) من ترجمة الشيخين محمد عيد العباسي، وعلي خشان رحمه الله.
([10]) من ترجمة الشيخين محمد عيد العباسي، وعلي خشان رحمه الله.